|
الخميس 14 من المحرم 1431هـ - 31 من ديسمبر 2009م
حكايات اسبوعية
بقلم : محمد علي إبراهيم
السادات الثعلب .. ومراكز القوي والثغرة!
عندما تقرأ كتاب أنيس منصور الأخير عن "أنور السادات"
فإنك لا تستمتع فقط بتاريخ مصر الحديث مع زعيم أنجز لها أهم انتصارين وهما
الحرب والسلام. ولكنك تجد نفسك أيضاً مبحراً في عقل رجل لم ينس أنه فلاح
وابن بلد فيستقي من ذاكرته تشبيهات تدهشك ليربطها مع الأحداث التي وقعت في
بر مصر.
أشهد أنني لم أقرأ في حياتي تشبيهات كالتي ذكرها السادات لأنيس. ورغم أنني
قرأتها عام 1976 إلا أن الذاكرة لا تسعف صاحبها كثيراً.. الأهم أن من قرأوا
الكتاب من الزملاء لم يهتدوا إلي هذه التشبيهات التي تعكس عقلاً حصيفاً
وأريباً وعينا ذكية لاقطة.
سأله أنيس منصور عن كيف قضي علي مراكز القوي ولك أن تقرأ وتتمتع وتضحك بما
قاله الرئيس الراحل يقول: "لابد أن أذكر حادثة معروفة في الريف.. فهم
يقولون إن الثعلب عندما يمتليء جسمه بالبراغيث فإنه يحار في التخلص منها..
فيتقلب علي الأرض.. ويهرش ظهره في الحائط وفي الأشجار وفي الأحجار..
وأحياناً ينزل إلي الماء.. ولكن البراغيث لا تموت.. ولذلك هدته الغريزة إلي
حيلة ذكية.. وهي أن يظل يجري في الحقول يجمع بقايا القطن.. ثم يضع هذا
القطن في فمه.. فتصعد كل البراغيث والحشرات الأخري إلي قطعة القطن في فمه..
وهنا يلقي بها الثعلب إلي الماء.. وقد تجمعت كل براغيث مراكز القوي في قطعة
القطن ولم يكن صعباً إلقاؤهم في الماء بعد ذلك"! هذه شهادة السادات.. ساخرة
ممزوجة بالفلكلور وخلفية ريفية فكان طبيعياً أن تكون "حراقة".. قارن قصة
السادات بما كتبه توفيق الحكيم "المحترف" للكتابة والتأليف المسرحي عن
مراكز القوي.. قال "دول جماعة سذج.. كان أسهل شيء يقومون به هو الاستيلاء
علي الإذاعة ويعلنون أنهم عزلوا السادات.. وعلي ما يرجع السادات.. ويتأكد
أنهم لم يفعلوا ذلك تكون قد مضت ساعتان أو ثلاث.. وبذلك تتحقق لهم البلبلة
المطلوبة لكنهم سذج"! قارن بين الانطباعين عن مراكز القوي فلن تملك إلا
الإعجاب برأي السادات ورؤيته وتشبيهه..
واقعة أخري عن الثغرة تسمع فيها رأي السادات ويعجبك تشبيهه حيث يقول عن "الثغرة"
في موقع آخر من الكتاب "تسللت القوات الإسرائيلية إلي الضفة الشرقية في
فجوة بين الجيوش.. وهي غلطة عسكرية مشهورة في التاريخ.. وكثيراً ما حدثت..
ويعتبرها العسكريون عملاً انتحارياً فاشلاً.. فقد جربها الألمان في الحرب
العالمية الثانية في موقعة الأردن عندما فتحوا طريقاً دموياً بين قوات
الحلفاء.. والذي فعله النازيون كرره اليهود.. فهم يقلدونهم في كل شيء في
الدعاية والكذب وغطرسة الحروب الهتلرية. ولذلك محكوم عليها بالفشل.. لأنها
حركة بهلوانية واستعراض تليفزيوني فاشل.. وهو يذكرنا بما يحدث في الأفلام
عندما يقوم اللصوص بسرقة البنوك أو المتاحف أو عندما يهرب السجناء في لحظة
معروفة وهي لحظة "تغيير الحرس".. في هذه اللحظة عندما يجيء حرس ليتسلم
العمل من حرس مرهق.. في هذه اللحظة ينجح اللصوص في دخول البنوك والمتاحف.
ويحاول السجناء أن يهربوا من السجن.. وقد فعل اليهود ذلك.
ولم تضعف قواتنا ولم يتخاذل رجالنا.. ولم يفسد ذلك من النصر العظيم الذي
حققناه. فالذي حدث لا يمكن تغييره. والموت أهون من أي استسلام بعد ذلك. ولا
استسلام بعد ذلك.
وكانت هذه "الثغرة" مأساة خلقية لكثير من الانهزاميين في مصر. الذين نسوا
ما أنجزته قواتنا الباسلة في عبورها وصمودها وزحفها واستشهادها. كل ذلك
نسيه الانهزاميون. ولم يعودوا يذكرون إلا هذا التسلل اليهودي الدنيء. بقصد
تحطيم المعنويات. وبقصد تأكيد الخرافة الإسرائيلية: أن الجندي اليهودي ولد
لينتصر دائماً. والجندي المصري ولد لينهزم دائماً.. وقد انهزم!
طبعاً لم ينهزم.. وإنما الذي انهزم أناس مهزومون ودعاة هزيمة. ولكن أشهد
لله وللتاريخ أن 95% من شعب مصر. من هذه القاعدة الشعبية ظلت في صلابة
الحديد. وقفت ورائي.
صدقتني. وتمسكت بروحها العالية. وسخرت من هذه القلة التي انهزمت سنة 1967
ولا تريد أن ترفع رأسها. فإذا حاولت قواتنا أن ترفع لها الرأس. عادت هذه
القلة الانهزامية فأحنت رأسها وكرامتها. ثم راحت تمتص الهزيمة من جديد..
ولكن هذه القلة لا تهم ولا تدخل في الحساب.
وإنما شعبنا العظيم العريق هو الذي يهم. إنه شعب علمته الحياة الصبر.
والاحتمال والفطنة. وقد علمته فطرته أن يفهم ويحسن التقدير. فهو أعظم وأصدق
وأحكم من كل الذين احترفوا السياسة وتاجروا بمشاعره ولعبوا بها.. إن هذه
القاعدة العظيمة من شعبنا. لم تهزها هذه الثغرة. آمنت من أول لحظة. أن هذه
الثغرة سوف تنسد. وسوف تنسحب قوات اليهود إلي غير رجعة.. وأن هذه القوات
التي اختارت لنفسها أن تدخل عمق مصر محاصرة بين جيوشها شمالاً وجنوباً
وشرقاً وغرباً. لا يمكن أن تحتمل هذا المأزق طويلاً. وقد صح ما توقعه الشعب..
فزالت الثغرة. ومعها أسطورة الأمن الإسرائيلي والجندي الإسرائيلي. وتلاشي
من الصورة كل فئران الهزيمة!
هذا هو السادات الذي مازال يُهاجم حتي هذه اللحظة من شخص حاقد اسمه حسنين
هيكل وأتباعه الذين لم يغفروا له استعادة الأرض والانتصار في الحرب فطفقوا
يهيلون عليه التراب.
لماذا لا يتظاهرون ضد إسرائيل
الجدار بين الخواجات..والمصريين!
فجأة اهتم الخواجات بمعاناة الفلسطينيين.. الاهتمام جاء بعد تركيز الآلة
الإعلامية الإسرائيلية علي الجدار الذي تبنيه مصر علي حدودها مع غزة.. لم
يتظاهر الأجانب في القاهرة "أبداً" ضد العدوان الإسرائيلي الغاشم علي غزة
في ديسمبر 2008 ويناير ..2009 لم ينظموا مسيرات ضد قتل الفلسطينيين بدم
بارد واستخدام طائرات الفانتوم لقصف المدنيين العزل واصطيادهم كما يتعقب
الصياد فريسة سهلة.
الأجانب يخشون التظاهر ضد إسرائيل لأنهم يرتعدون من تهمة معاداة السامية..
لكن مصر مباح دمها ومستباح أمنها!
الأجانب- وبالذات جالاوي وقافلته التي تمولها إيران- يحرصون دائماً علي
الدخول من معبر رفح لإحراج مصر وتصويرها علي أنها تمنع المساعدات عن
الفلسطينيين وهي أكثر من ساعدهم وقدم لهم العلاج والدواء وفتح لهم
المستشفيات.
الحكاية ببساطة أن الأجانب يستجيبون لما تحركه إسرائيل.. الدولة العبرية
تملك آلة إعلامية قوية في فرنسا وأمريكا وكندا وأوروبا.. المواقع
الإلكترونية اليهودية هي التي بدأت بث أخبار الجدار الذي تقيمه مصر وهي
التي أطلقت عليه اسم الفولاذي. ومنها نقلت بقية صحفنا المصرية الخاصة
التسمية!
من ثم كان غريباً أن يتظاهر الفرنسيون والكنديون والبريطانيون في القاهرة
أمام سفاراتهم للمطالبة بدخول مسيرة "شريان الحياة" التي يقودها جالاوي
النائب البريطاني المرتشي من صدام حسين.. السادة الزملاء في الصحف الخاصة
عليهم أن يجيبوا عن الأسئلة التالية..
1-لماذا لم تدخل القافلة من خلال المعابر الستة الأخري التي تتحكم فيها
إسرائيل؟
2-لماذا لم تحاول سفينة المساعدات الحصول علي إذن من حرس السواحل
الإسرائيلي والدخول إلي غزة عن طريق البحر؟
3-لماذا أبرزت الصحف الخاصة أقوال المعتصمين والمتظاهرين الأجانب في
القاهرة وأغفلت تصريح السفير الفرنسي الذي قال للذين رفضوا مغادرة الساحة
أمام السفارة "مصر لها الحق في كل ما تقوم به".
وتبقي عدة حقائق ينبغي أن يعلمها الجميع وتستقر في الأذهان حتي لا تختلط
الأمور بهذا التداخل الغريب:
أولاً: قطاع غزة مازال تحت الإحتلال الإسرائيلي وبالتالي فإن مصر لا يمكن
أن تفتح "رفح" من جهة واحدة بدون طلب تصريح من إسرائيل.
ثانياً: عندما تفتح مصر المعبر- وكثيراً ما تفعل- فإنها تستند إلي القانون
الدولي الذي يجيز لها فتح مؤقت للحدود في حالات الكوارث والحصار وإدخال
المساعدات الإنسانية لبلد مجاور.. وعندما تستفيد مصر من نص القانون الدولي
في هذا الصدد. فهذا يعني شيئاً واحداً وهو أنها ليست الطرف الذي يمارس
الحصار علي غزة. وبالتالي فهي التي تقدم المساعدة.. ومن ثم فالقول إنها هي
التي تساهم في الحصار.. مغالطة بشعة لأننا نحن الذي نخفف المعاناة.
ثالثاً: هل يمكن فتح معبر رفح 7 أيام في الأسبوع 24 ساعة يومياً؟ نعم..
وبسيطة جداً.. تقبل حماس بقيام ممثلي السلطة الوطنية الفلسطينية بالتواجد
علي المعبر من ناحيته الشرقية ويتولون مع إسرائيل والاتحاد الأوروبي تنظيم
المرور علي المعبر كما تنص علي ذلك اتفاقية عام 2005 لتنظيم المرور علي
المعابر التي وقعها الاتحاد الأوروبي والسلطة الفلسطينية وإسرائيل.. لم تكن
حماس قد استولت بعد علي قطاع غزة.. الآن دانت لها السيطرة التامة فماذا
سيمنع إذا سمحت لعشرة أفراد من "فتح" بتنظيم المرور علي المعبر مع إسرائيل
والاتحاد الأوروبي.
رابعاً: يقولون إن الاتفاقية الموقعة في عام 2005 قد انتهت مدتها والإجابة
أنه طالما لم تجدد أو يتم توقيع غيرها فستظل هي "المرجعية" إلي أن يتم
تغييرها.
خامساً: بعض المعترضين علي قيام مصر بتدعيم الإنشاءات الهندسية علي طول
حدودها مع غزة لديهم حجة وهي أن ليس كل من يقطن غزة "حمساوي". وبالتالي فإن
كل ما سيفعله الجدار هو تعلية أسعار السلع والمواد الغذائية التي كان يتم
تهريبها من الأنفاق. وبالتالي سيتضرر أهل القطاع.. هذا الكلام مردود عليه
وهو أن مصر تفتح المعبر حوالي 6 مرات شهرياً أي 18 يوماً ولا تعترض طريق أي
مساعدات غذائية أو دوائية طالما أنها تدخل من بوابة رفح وعبر الطريق
القانوني.
سادساً: يمكن أن تنهي "حماس" هذه القصة تماماً إذا وقعت ورقة المصالحة التي
كانت قد وافقت عليها ثم سافر مشعل لطهران وأعلن تأجيل المصالحة وصفقة
الأسري متذرعاً بجولد ستون وتقريره.. توقيع المصالحة سيرغم إسرائيل علي فتح
المعابر الستة الموصلة إلي غزة كلها بحيث تتدفق البضائع لغزة من أريز وكرم
أبوسالم ونحال عوز وكارني وصوفا ورفح.. توقيع المصالحة ينهي الحصار
الإسرائيلي ويحرر مصالح 1.4 مليون فلسطيني ويوفر حياة طبيعية لهم ولأبنائهم..
هذه ببساطة هي الوقائع علي الأرض.. وأي صحفي أو مدون أو مذيع لا يري هذه
الوقائع قبل أن يتكلم فعليه أن يبتلع لسانه للأبد.
بلا خيبة
لا يعجبني الحديث الدائر في الصحف المصرية عن تآمر إيران ضد مصر.. ولا
يعجبني كذلك تصويرها علي أنها دولة عظمي لها دور إقليمي كبير.. تتحدي
أمريكا وترضخها وليس لها أخطاء أو خطايا.. يصوروها لنا علي أنها دولة
أنبياء.. لا تنطق عن الهوي.. يستهدفها الأشرار.. ويحبها الأخيار.. مع أنها
مليئة بالموبقات واضطهاد العرب.
وبما أن إيران تتدخل في شئوننا فإنها بذلك تعطينا الحق - كعرب - للتدخل في
شئونها! الملفات الإيرانية الساخنة يمكن أن تكون شوكة في ظهرها.. نلاعبها
بها.. نثيرها في المؤتمرات الإسلامية وجامعة الدول العربية.. طالما أننا
نخشي ونخاف من الفرس سيلهبون ظهورنا بالسياط!
سلبيات الإيرانيين موجودة في مناطق الأحواز العربية وبلوشستان السنية
وأذربيجان والأكراد الذين يعانون من بطش وتنكيل نظام الملالي في إيران..
والسؤال الآن لماذا لا نفتح هذه الملفات؟ لماذا لا نظهر تعنتهم في حقوق
الإنسان وإهدار كرامة العرب؟ هل اكتسبوا حصانة ضد النقد؟ هل أصبحنا ساديين
فلا نتكلم عما يفعلونه في العراق ولبنان واليمن وفلسطين؟ هل هم فقط الذين
يملكون أقلاماً تناصرهم في الدول العربية؟ ألا نستطيع أن نجد صحفيين يثورون
لإهدار كرامة العرب في كل مكان يسيطر عليه الفرس؟ هل فقدنا عروبتنا ونستعد
لنكون إيرانيين؟! فوضي في العراق واليمن ولبنان وفلسطين والخليج والسودان
ونحن نهلل مصفقين! بلا خيبة.. بلا خيبة!
لماذا يصدق البعض ظهور العذراء؟
أثار تجلي السيدة العذراء مؤخراً في كنيسة الوراق ثم
كنائس أخري الكثير من اللغط.. البعض صدق التجلي وآخرون نسبوه إلي الأساطير
والخرافات.. وبغض النظر عن رأيي الشخصي في الموضوع فإن الأمر برمته دعاني
للتأمل والتفسير علي نحو يخالف ما انتهي إليه الكثيرون.
أولاً: اعتاد المصريون سواء مسلمين أو مسيحيين علي نسب الظواهر إلي سجال
سياسي وهذا خطأ.. والأمر لا يقتصر علي ظهور العذراء فقط. ولكن علي مباريات
الكرة وظهور الجراد وغرق السفن والأزمة المالية وانهيار البورصة وكارثة
الدويقة.. دائماً تسمع كلمة أن الله غاضب علينا.. سمعناها في زلزال 92
وتوابعه.. وفي الدويقة قالوا إن المقطم انتفض لأن أولياء الله الصالحين
المدفونين أسفله لا تعجبهم الأحوال.. وقرأت أن المدفونين تحته هم غرس أهل
الجنة ولا تعجبهم أحوال مصر.. المصريون دائماً يربطون بين أي كارثة أو
مصيبة لا قدر الله بغضب المولي عز وجل.. وينسون تماماً أن ذلك قد يكون
امتحاناً لقوة الإيمان.
ثانياً: الظاهرة الإيجابية التي لم يلحظها كل الذين كتبوا في تجلي العذراء
أن بعض المسلمين قالوا إنهم رأوها بينما أنكر ذلك مسيحيون.
هذا الإنكار والتأكيد جعلاني أتساءل لماذا نتطرف إذن؟ كل المسيحيين لم
يجمعوا علي ظهور العذراء وكذلك المسلمون. فلماذا يتقاتلون ويناصبون بعضهم
البعض العداء.. لماذا الاحتقان والتوتر وصيحات الثأر والانتقام.. طالما أن
المسيحيين لم يتفقوا علي التجلي ولا المسلمين فمن المؤكد أن ما بينهما من
عوامل تجمعهما أكثر مما يفرقهما.
ثالثاً: غير أن النقطة السابقة سرعان ما يدحضها منطق أكثر هدوءاً وهو أن
المسلمين والمسيحيين الذين وقفوا إلي جوار بعضهم البعض في ساحة الكنائس
ينتظرون ظهور السيدة العذراء. سرعان ما اختلفوا عندما عادوا إلي منازلهم
وجلس كل منهم إلي جهاز الكمبيوتر أو اللاب توب الخاص به.. فالمواقع
الإلكترونية شهدت جدلاً حاداً بين المسلمين والأقباط حول تجلي السيدة
العذراء.. الفئة الأولي تؤكد أن العذراء ظهرت لأنها مسلمة والدليل أن
القرآن الكريم كرمها أفضل تكريم واصطفاها الله سبحانه وتعالي وخيرها علي
نساء العالمين بينما ذهبت الفئة الثانية إلي أن ظهور العذراء المتكرر يؤكد
أن المسيحية هي الدين الأفضل.. وهكذا ما إن توحد المسلمون والأقباط حتي
عادوا وتفرقوا عندما بدأوا يفكرون بمنطق التعصب.
رابعاً: تبقي الحقيقة القائمة والتي يسهل استخلاصها من كل ما سبق وهي أن
الناس في بلادي مازال يحكمها سيطرة الدين والغيبيات.. الأمر لا يتعلق
بالعذراء فقط.. فنحن نستجير بالسيدة زينب أم العواجز وسيدنا الحسين وأهل
بيت النبي بالإضافة للسيد البدوي والمرسي أبوالعباس وعبدالرحيم القنائي
وغيرهم من أولياء الله الصالحين.. الأضرحة تمتلئ بخطابات توسل وتعطف ورجاء
وشفاعة.. ويبقي المعني.. نحن نفضل "التبرك" والبركة علي العمل.. يهمنا أن
نحتفي برجل مبروك أكثر مما نهتم بعالم أو أديب.. نسعي للتأكيد علي المعني
الديني حتي لو كان فيه جزء من خرافة وبعض من أساطير.. لا يهمنا أن نتحقق من
الرؤية والتجلي بطريقة علمية. لكننا نهتم أكثر بمن علي حق ومن علي باطل..
نتنازع محبة العذراء وننسبها للمسلمين أو المسيحيين.. مع أن الإسلام
والمسيحية يقدسانها بل إن القرآن يقول فيها كلاماً أكثر احتراماً وتقديساً
من طوائف مسيحية أخري.. ومع ذلك يشتد الصراع حول حقيقة التجلي أو إنكاره..
مع أننا ببساطة شديدة يمكننا أن نقنع أنفسنا بأن القلوب المؤمنة لا تحتاج
معجزات ليقوي إيمانها أو تنتصر في الحياة الدنيا علي أصحاب ديانات أخري.
القلوب المؤمنة تعمل وتكد وتسعي.. تنجح أحياناً وتخفق أحياناً أخري.. وهي
قلوب أشبعتها القناعة والإيمان فاكتسبت سلاماً داخلياً مع النفس يستوي في
ذلك الواقفون علي شاطئ الحياة من المسلمين وعلي الشاطئ الآخر من المسيحيين..
كلاهما يشرب من نهر الحياة لكن للمسلم قناعته وللقبطي رأيه واختلافهما لا
يعني أن يتعاركا وإنما يسعيان لحياة أفضل كل حسب إيمانه بحيث لا يرغم
أحدهما الآخر علي اتباع ملته لأنها الأفضل.. عندها ستزيد المحبة بين
الطرفين.
|