|
الخميس 16 من ذى الحجة 1430هـ -3 من ديسمبر 2009م
حكايات اسبوعية
بقلم: محمد علي إبراهيم
الدراجة.. والسيارة!
العاصمة الألمانية برلين هي ثالث عواصم العالم استخداما للتكنولوجيا في
الحياة اليومية بعد طوكيو وواشنطن وثالث المدن الأوروبية الصديقة للبيئة
وأول المدن الأوروبية استخداماً للدراجات بالاشتراك مع أمستردام الهولندية.
صباح كل يوم يتوجه 3.43 مليون مواطن في برلين إلي أعمالهم راكبين دراجاتهم..
عدد سكان ألمانيا 82 مليون نسمة وهو تقريباً نفس عدد سكان مصر.. لكن
العاصمة الألمانية تمتاز عن العاصمة المصرية بشيء رئيسي وهي أن جميع سكانها
يركبون الدراجات بعكس القاهرة التي يحرص قاطنوها علي السيارات أكثر من
الدراجات.
في مصر تم ترخيص 300 ألف سيارة جديدة دون أن تكون هناك طرق تستوعبها أو
مسارات مخصصة لها مع الأخذ في الحسبان الشوارع الضيقة المنتشرة بكثرة في
القاهرة والمحافظات المختلفة والتي أصبحت تستغل في ركن السيارات بدلاً من
المرور فيها. إذ يبدو أن عرض الشارع لم يعد يتسع لمرور السيارات فآثروا أن
يحولوه لجراج..
أنتقل بكم إلي ألمانيا لنعرف مدي التناقض بين البلدين.. الألمان هم ملوك
السيارات في أوروبا والعالم.. ميونيخ قلعة صناعة السيارات الفاخرة.. يبلغ
عدد الدراجات في ألمانيا 68 مليون دراجة بينما عدد السكان 82 مليون نسمة..
تقريباً هناك دراجة لكل فرد.. الألمان لهم حكمة ووجهة نظر في ركوب الدراجة
وهي أنها بمثابة رياضة يومية لهم كما أنها تعمل علي ترشيد استهلاك الطاقة
أو الوقود وحماية البيئة وكذلك توفير أجور استخدام وسائل المواصلات الأخري.
إنني أتمني أن يوافق المهندس رشيد محمد رشيد وزير الصناعة والتجارة علي
الاستثمار في مجالات تصنيع وتجميع الدراجات وبيعها بأثمان زهيدة للمواطنين..
المصريون في أشد الحاجة إلي ركوب الدراجات لأنها ستنقي القاهرة من التلوث
وتخفف الازدحام وتحسن صحة المصريين الذين أصبحوا يعانون مما يسمي ب"أمراض
الجلوس" مثل اعوجاج العمود الفقري وتيبس الفقرات وخشونة المفاصل والنهجان
لدي بذل أقل مجهود.
وياحبذا لو طبقنا ما تطبقه اليابان عند الترخيص لسيارات جديدة.. لوفعلنا ما
تفعله اليابان لن تحصل سيارة واحدة في مصر علي ترخيص جديد.. اليابان تشترط
لترخيص السيارة ان يكون هناك مكان انتظار مسبق لها في محل اقامة صاحبها "جراج"
ونظرا لأن اليابان تعاني من مشكلة في البناء ولأن توسع المباني فيها يتم
رأسيا. فقد توقف الحصول علي تصاريح جديدة للسيارات.
إننا في مصر نهوي التباهي والزهو والفشخرة. ويمكن ان ينتهي ذلك اذا أمرت
الحكومة موظفيها بعدم استخدام سياراتهم يومين في الأسبوع.. وهذه ليست بدعة
فعلتها الصين من قبل ونجحت.. وكذلك هولندا في أوروبا والأرجنتين في أمريكا
اللاتينية.. تدخل الحكومة في إجبار الموظفين علي استخدام الدراجة ضروري.
لأنه أحيانا تكون مضطراً ان تلزم المواطنين بالسلوك القويم من خلال حزمة
إجراءات وتعليمات وقواعد.. خصوصاً مع المصريين.
لماذا "غيرتوا" الصحفي؟
في نهاية التسعينات تلقي أحد رؤساء التحرير السابقين وهو الآن كاتب بصحيفة
كبري اتصالا تليفونيا من إحدي الوزارات الخدمية.. المتحدث علي الطرف الآخر
هو مدير العلاقات العامة والذي تم ترقيته مؤخرا إلي درجة وكيل وزارة.. مدير
مكتب رئيس التحرير أبلغه ان "فلانا" علي الخط فسأله رئيس التحرير عن وظيفته
وعرف أنه المسئول عن الإعلام بالوزارة.. علي مضض رفع رئيس التحرير التليفون
ليجيب.. جاءه الصوت الآخر علي الهاتف يقول له صباح الخير يا باشا ..منور..
أنت زعلان مننا ليه؟!.. فوجيء الصحفي الكبير بالسؤال فلم يكن بينه وبين
المسئول أي علاقة أو سابق معرفة ثم ان الذي يزعل من رئيس التحرير هو الوزير
وليس أقل من ذلك.. الصحفي الكبير ظل في موقعه 16 عاما كان يتلقي خلالها
اتصالات من رؤساء وزارات ووزراء وغيرهم وهي المرة الأولي التي يتلقي فيها
اتصالا من شخصية لا ترقي إلي مستواهم.. المهم ان الصحفي شعر أنه من الأدب
ألا يغلق السماعة في وجه المتصل فسأله والملل يمسك بخناقه قائلا: ولماذا
أغضب منكم وأنا لا أعرفك أصلا؟!
تنحنح مدير العلاقات العامة ورد قائلا: ربنا ما يجيب زعل يا باشا.. الحكاية
باختصار ان سيادتك أرسلت خطابا لمعالي الوزير ترشحون فيه صحفيا جديدا للعمل
مندوبا لصحيفتكم في الوزارة.. ولقد أثار الخطاب دهشتي لأن مندوبكم الأصلي
اعتاد علي طريقة عملنا واعتدنا عليه..!! ونحن نرسل له كل بيانات ومعلومات
الوزارة من خلال الفاكس علي جريدتكم.. وقد قام الصحفي بشراء جهاز فاكس جديد
في منزله وأصبحنا نرسل له الأخبار إلي منزله العامر..!! وبالتالي هو لا
يتعب في شيء.. ولا يكلف نفسه عناء الحضور للوزارة..!! كل ما يطلبه نرسله له
بخط واضح ومكتوب علي الآلة الكاتبة أو الكمبيوتر.. أي إحصائية أو بيانات لا
نتأخر عنها.. قاطعه رئيس التحرير الذي شعر ان المكالمة استمرت أكثر من
اللازم وانه لم يعد مستعدا لاستئناف هذه الترهات قائلا: "لم أفهم المشكلة
بعد".. بالكاد التقط مدير العلاقات العامة أنفاسه وهو يرد لاهثا: صبرك علي
يا باشا.. المشكلة ان الصحفي الجديد لا يريد أن نرسل له شيئا بالفاكس وهو
يصر علي الحضور للوزارة كل يوم ويرفض أي بيانات نقدمها له.
انتبه رئيس التحرير للحديث لأنه شعر ان الشكوي مصدر سعادة كبري له وياحبذا
لو فعل كل الصحفيين في جريدته مثله.. بهدوء يخفي ابتسامة ساخرة. قال رئيس
التحرير للرجل "اكمل".. بلع مدير العلاقات العامة ريقه وتصور أن الصحفي
الكبير يؤيده في الموقف الذي اتخذه فاستطرد: تصور سيادتك الصحفي الجديد "بيلف"
علي حجرات الوزارة ويسأل الموظفين ومديري القطاعات عن مقترحاتهم لو أصبحوا
مكان الوزير. وما هي القرارات التي سيصدرونها ومن هم الموظفون الذين ينبغي
عزلهم من وظائفهم..؟! تصور سيادتك لقد نشر هذا الصحفي مقترحات الموظفين في
جريدتكم وكان عنوان التحقيق "20 وزيرا جديدا في وزارة ............." ولقد
فهم الوزير ان هذه رسالة إليه بأن التغيير قادم..! الأغرب ان الصحفي الجديد
يكتب أخبارا استفزازية! هنا قاطعه رئيس التحرير قائلا: كيف؟ أجاب المدير
كتب ان الوزارة تكون خالية من الموظفين الساعة 12 ظهرا! قاطعه رئيس التحرير
مرة أخري هل هذا صحيح؟ أجاب الرجل حتي لو كان صحيحا فإنه لا يعني أن يفضحنا
بهذه الطريقة.
سأله رئيس التحرير فيه حاجة تانية؟! أجابه الموظف حاجات!! فقد أصبح يسأل
الموظفين والمديرين عن توزيع الحوافز وأي القطاعات "أميز"ولماذا يعمل
الموظفون في شركات رجال الأعمال من المتعاملين مع الوزارة! وأنهي الرجل
مكالمته كما لوكان أزاح عن صدره حجرا ثقيلا.. سأله رئيس التحرير خلصت! فقال:
نعم.. ورد عليه الصحفي الكبير باقتراح وهو انه سيرسل إليه الصحفي الذي كان
معجبا به وبحصوله علي المعلومات من مصادرها الشرعية والقانونية ليعمل معه
في الوزارة لأنه أقرب إلي طبيعة الموظفين. أما زميله الذي يسأل ويدقق ويدلف
إلي المكاتب ويستقصي عن أحوال الوزارة ويسأل الموظفين عن رأيهم في السياسة
الوزارية ويكتب مقترحاتهم. فهذا هو الصحفي الذي نريده ونبحث عنه ونكافئه.
غير ان رئيس التحرير المذكور لم يستمر في منصبه ليري كيف تحول الجميع -
وليس واحدا فقط - إلي صحفيين يعملون بالفاكسات والتليفونات ولا يعرفون
أرقام تليفونات الوزراء الشخصية ولا يكلفون أنفسهم عناء التوجه إلي
الوزارات يوميا وللأسف فهذا هو الشائع الآن وليس حالة فردية كحالة صاحبنا
التي ذكرناها في بداية الحكاية.. لعن الله التكنولوجيا التي ألغت عقل
الصحفي في البحث عن الحقيقة وحولته إلي متلق للمعلومات الرسمية.. لا يناقش..
لا يبحث.. لا يحاور.. مجرد آلة!
زواج سعيد
الزواج السعيد أصبح من رابع المستحيلات.. قديماً كانوا يقولون إن المستحيل
ثلاثة الغول والعنقاء والخل الوفي.. الآن أصبحوا يضيفون وهم مطمئنون الزواج
السعيد.. البعض ينظر إليه باعتباره من أساطير الجدود والجدات. وآخرون
يعدونه ضرباً من الأحلام السعيدة التي يحلم بها الإنسان أحياناً ثم يفاجأ
بعكسها عندما يستيقظ.
يقول خبراء الزواج في بعض كتاباتهم إن الزوجة عندما تختار رجلاً فإنها لا
تبحث عن عقل يستوعب طيشها أو عن ثراء تنفق منه علي ما تريد أو وسامة فتخطفه
منها امرأة أخري.. ويضيفون أن المرأة تبحث عن رجل أشبه بقطعة الأثاث الذي
تضعه في منزلها وتضيف إليها كل يوم شيئاً.. ربما تضع فوقها لوحة أو تابلوه
كنفاه.. المرأة تريد زوجاً أو قطعة أثاث تصلح لكل غرف المنزل ويعجب بها كل
من يراها وتتلاءم مع ألوان الطلاء في كل حجرة..
لكن ما تريده المرأة شيء والزواج شيء آخر تماماً.. يستحيل أن تختاري زوجاً
كما تختارين قطعة أثاث أو "تايير" من محل أزياء أو محفظة نقود أو.. أو..
الزواج السعيد لم يعد موجوداً لأن الاختيار أساسه خطأ.. لقد سألت أزواجاً
كثيرين عن السبب في استمرار زيجاتهم فأجاب البعض العشرة وقال آخرون الأولاد
وذهبت فئة ثالثة إلي أن أبغض الحلال إلي الله الطلاق.. لكن في كل الذين
سألتهم لم أجد واحداً أو واحدة تقول أو يقول الزواج استمر لأننا سعداء!
اختفت الجملة.. نحن لسنا في زمن الحب والعشق والهيام والرومانسية.. من يقرأ
حكايات الطلاق الذي تم لخلاف علي شقة أو أثاث. أو لأن الأهل يتحكمون في هذا
الطرف أو ذاك أو لأن فلاناً لم يقدم لزوجته شاليهاً أو لأن الزوج تزوج في
السر.. كل أسباب الطلاق تؤكد أن الحب لم يكن موجوداً من الأساس.. لأنه لو
كان موجوداً لم يكن أحد سيسمح بهذا "الدلع" المستفز.. الحب مسئولية وليس
تضحية.. الحب مسئولية إذا كان شرعياً أما من يقولون إن الحب تضحية فغالباً
ما يقصدون نوعاً من العواطف اندثر منذ 60 عاماً أو أكثر قليلاً..
إذا كان البعض يسعي إلي زواج ناجح وسعيد فينبغي أن تختلف النظرة إليه..
الزواج السعيد هو أن نقبل الآخر بكل عيوبه قبل مزاياه.. إذا استطاعت زوجة
أو زوج تقبل صفات الآخر السيئة وعاداته الغريبة فهذا معناه ان الزواج سينجح..
والسبب بسيط.. لن يحدث الصدام التقليدي إذا ما سعي كل طرف إلي الزام الآخر
بطباعه.. ليس هناك زواج compatible أو متوافق 100%.. هناك زواج ال
compromise أو الحل الوسط.. تأخذ شيئا وتترك الآخر.. وأحيانا تترك ثلاثة
أشياء لتحظي بشيء رابع.
انني لا اتحدث عن تنازلات فهي التي تفسد الزواج ويشعر الاثنان بعد فترة
انهما قدما تضحيات لا طائل من ورائها.. وعند أول شجار أو نقاش يبدأ الزوج
أو الزوجة في احصاء التنازلات التي قدمها ومقارنة ايهما الأكثر حظا في
التضحية.. وبهذا تفسد "الصفقة" نهائيا.
أتمني أن ينظم المجلس القومي للمرأة دورات تدريبية للزواج السعيد. خصوصا
بعد أن ازداد عدد المطلقات في مصر زيادة كبيرة.. دورات تعتمد في المقام
الأول علي تقبل عيوب الزوج طالما انها لا تمس الكرامة ولا تنزلق إلي
الخيانة.. وقد يتعلل البعض بأن هذه مهمة الآباء والأمهات وزرع هذه المفاهيم
في أولادهم وبناتهن ورأيي الشخصي ان العائلات هجرت هذا المفهوم حاليا
لانشغالها في تأمين البعد الاقتصادي للأبناء وهو ما جعل الشباب ينشأ علي
غير معرفة بالحياة ومتطلباتها وكيفية التأقلم علي ظروفها.
الحياة - والزوجية بصفة خاصة - تقوم علي مبدأ هام جدا وهو الالتزام غير
المشروط تجاه الطرف الآخر.. الحياة الزوجية السعيدة ليس فيها شروط وليست
عقدا ينفذه طرفان بطريقة صماء.. انها تقبل للآخر وموافقة عليه والاحساس
بأنه ليس شخصا مثاليا بل هو إنسان مليء بالعيوب.. الزوجان عليهما أن ينظرا
أولا إلي عيوبهما.. يضعان ايديهما علي المواجع والسلبيات قبل أن يطلبا
المثاليات والكمال وقد أصبحا غير موجودين حتي في الحكايات.
اعرفا عيوبكما واقبلا بها.. تأكدا أن السعادة ليست أن تطلب المثالية وتسعي
للأفضل ولكنها أن تقبل الواقع وتطوره وإذا لم تستطع تطويره أن تتعايش معه
وتتأقلم عليه.
النساء في عصرنا الحالي يرفضن مقولة وراء كل عظيم امرأة.. يريدون أن
يجعلوها "إلي جوار كل عظيم امرأة".. حسناً..إنها ثورة ضد أن تضحي الزوجة من
أجل زوجها أو أبنائها.. لا شيء في هذا.. لن تعيش النساء في ظل الرجال علي
الأرض.. اجعلوهن يحققن ذواتهن.. ينجحن في عملهن.. لكن أهم ما في الموضوع أن
يبتعد نجاح وفشل العمل عن الأسرة والأولاد.. ولابد أن يحصل الصغار علي كل
الرعاية والحب والاهتمام.
إذا استطاع الزوجان أن يحققا النجاح في العمل ويبعدا ذلك عن الحياة
الأسرية. وإذا تمكنا أيضا من إبعاد الفشل في محيط الوظائف عن تربية
الأبناء.. سيكون الزواج سعيداً.
إذا استطاع الزوجان أن يضعا لأنفسهما خطة بأن ينجحا معاً ويكبرا معاً
ويزدادا نضجاً معاً ويحققا أحلامهما إذا تيسر ذلك معاً.. فإن هذه الكلمة
"معاً" ستكون هي مفتاح السعادة.. "معاً" تقضي علي الأثر السييء للتضحية
التي "يعاير" بها الزوجان بعضهما البعض بعد فترة من الزواج.. "معاً" هي
الكلمة الذكية للنجاح.. جربوها.
|