|
الخميس 3 من ذى القعدة 1430هـ - 22 من اكتوبر 2009م
حكايات اسبوعية
بقلم : محمد علي إبراهيم
الأستاذ والهولوكوست
هيكل عندما يريد شيئاً
الأستاذ محمد حسنين هيكل يعيش هذه الأيام فترة ازدهار
صحفي وتلميعي علي قناة الجزيرة وفي حوارات للصحف الخاصة.
هيكل يعتبر نفسه منزهاً عن الهوي والغرض مع ان أحاديثه أو سقطاته تؤكد ان
الرجل عليه ان يصمت فلم يعد ذهنه متقداً بحيث يفطن إلي الأسئلة ويجنب نفسه
مواضع الزلل.
هيكل قال في معرض أحاديثه المثيرة للشفقة علي قناة الجزيرة إن زيارته قبل
سنوات لنصب الهولوكوست بألمانيا كانت لدوافع إنسانية.
والهولوكوست كما يعرف القاريء الكريم هي المحرقة المزعومة التي تقول
إسرائيل إن هتلر ارتكبها بحق اليهود وتتهم أي من ينكرها بمعاداة السامية.
الأستاذ هيكل المفروض انه ليس مسئولاً كان يتحدث في قناة الجزيرة عن أن
زيارته للنصب التذكاري للمحرقة في ألمانيا تم لدوافع إنسانية.
إنني لا أقول إن زيارة نصب الهولوكوست يعد شكلاً من أشكال التطبيع مع
إسرائيل كما قال د. رفعت سيد أحمد المفكر المعروف وإن كنت اتفق معه ولكني
أذكر هيكل بكتابه الوثائقي الذي صدر في ثلاثة أجزاء عن المفاوضات السرية
بين العرب وإسرائيل.
في هذا الكتاب يتعرض هيكل لفكرة قيام دولة إسرائيل وأنها كانت المشروع
القومي لليهود وحلمهم الأكبر.. هيكل نفسه هو الذي وصل إلي استنتاج مفاده ان
اليهود والإسرائيليين لا يختلفون عن بعضهما البعض.. وأن البارون روتشيلد
اليهودي الإنجليزي هو الذي أوحي لبلفور بإصدار وعده التاريخي لليهود بإقامة
وطن قومي لهم باغتصاب فلسطين التاريخية.
المؤلف الضخم للأستاذ هيكل والذي بدأه عن علاقة اليهود بنابليون وأنه هو
الذي لفت الأنظار إلي هذا الجزء من العالم في نهاية القرن ال 18 يؤكد أن
اليهود والإسرائيليين شيء واحد.
قناعة هيكل في كتابه الذي قدمه للمكتبة العربية قبل 9 أعوام كانت تلخص
الفكرة بأن اليهود وعصاباتهم استولوا علي فلسطين.. كان اليهود في نظر هيكل
في هذا الوقت لا يختلفون عن الإسرائيليين.. لكن عندما ظهر في "الجزيرة"
اهتم بأن يظهر الجانب الإنساني في شخصيته خصوصا أن هذه القناة الفضائية لها
مصالح مع إسرائيل.. وأتصور أنهم طلبوا من الأستاذ اظهار جانبه الإنساني من
اليهود لتحقيق بعض التوازن مع مطالب إسرائيل التي يتصور البعض أن هيكل
يعاديها.. طبعا الأستاذ لاعتبارات مادية قرر تغيير ما كتبه من قبل وبرر
زيارته للنصب التذكاري بأنها كانت مجرد بادرة لاظهار تعاطفه الإنساني!!
وطالما أن هيكل وافق أن يستورد لنا صديقه اللورد البريطاني ديفيد اوين وزير
خارجية بريطانيا الاسبق ويهاجم نصر أكتوبر ويؤكد هزيمتنا في حرب 1973 فهذا
دليل آخر علي أن الأستاذ يفعل أي شيء من أجل ارضاء اليهود وإسرائيل.. لا
تصدقوا أنه قومي أو يساري أو ناصري أو أي شيء.. صدقوا فقط أنه نفعي وذاتي
ونرجسي.. بوصلته مضبوطة علي مصالحه.
لو كان هيكل صادقاً في رؤيته ومفهومه القومي الذي يسعي كل يوم لطرحه علينا.
لقال مثلا إنه زار نصب الهولوكوست في ألمانيا للتعاطف مع مأساة قومية حاول
زعيم متطرف نازي إبادتها.
وكان يمكن للأستاذ أن يضيف أن الهولوكوست الفلسطيني الذي ارتكبته إسرائيل
أكثر من مرة أبشع بمراحل مما ارتكبه هتلر بحق اليهود وأنها قامت في حق أمة
لم تكن طرفا في الجريمة السابقة إلي جانب أننا لم نكن مشتركين في تلك
المسألة. فالعار يلحق بالحضارة الغربية التي أفرزت هتلر وليس بالعرب.
كنت أتمني أن يقول الأستاذ هيكل إنه ذهب لزيارة موقع مذبحة قانا أو بيت
حانون أو أي مذبحة من التي ارتكبتها إسرائيل لكنه لم يفعل!
إذا كان هناك هولوكوست نازي ضد اليهود يا أستاذ هيكل فهناك هولوكوست
إسرائيلي ضد الفلسطينيين والعرب.
إن اليهود ليسوا هم وحدهم الذين خسروا من الحرب مع ألمانيا فهناك روسيا
التي فقدت 20 مليونا في اجتياح هتلر لها.
لو كنت مكانك يا أستاذ هيكل لقلت إن ألمانيا دفعت تعويضات لإسرائيل عن
الهولوكوست بلغت 90 مليار دولار.
أما إسرائيل فلم تدفع مليما واحدا تعويضا للفلسطينيين عن كل مجازرها ضدهم
التي راح ضحيتها 1.2 مليون فلسطيني.. هكذا يكون الكلام يا أستاذ!.
عندما تحدت جارتنا القدر!
هذه حكاية يعرفها كثيرون في حي الزيتون العريق.. وربما تتكرر في أحياء أخري
وبلدان عربية وأجنبية بصور مختلفة وصيغ تتفق مع حضارات الشعوب وعاداتهم
وتقاليدهم.. لكنها في النهاية حكاية واحدة كما قلت وإن اختلفت أسماء
الأبطال والمدن التي عاشوا فيها كما أن الأحداث تبدأ وتنتهي بطريقة مغايرة
لكن المعني واحد في الصين والهند ومصر وأمريكا والبرازيل.. ماذا تكون
النتيجة إذا حسب الإنسان حساباً ولم يضع الله في الحسبان؟ أو دعني أصغها
بصيغة مغايرة وهي إذا أمسكت الآلة الحاسبة وشرعت في إجراء عملية حسابية
معقدة عليك أن تذكر شيئاً واحداً هو أن هناك من خلق لك عقلاً تشغل به الآلة
الحاسبة وبصراً لتتابع عملياتها وأعصاباً تتحكم في أصابعك وهي تنقر عليها
وعينين تتابع بهما ولساناً تقول به النتيجة وحنجرة بأحبال صوتية تجعل نبرة
الصوت تختلف من إنسان لآخر. وبصمات أصابع تختلف عن شقيقك. كل هذا يمكن للذي
خلقه أن يسحبه منك في لحظة وتجد نفسك جثة هامدة.
"شوقية" جارتنا في بداية الثلاثينات.. ليست جميلة بمقاييس نجمات الشاشة أو
سيدات المجتمع. ولكن المناطق الشعبية لها مقياس آخر في الجمال يعتمد علي
نظرة أخري أو لعلها "نظرات".
المهم أن شوقية فاتها سن الاختيار والمفاضلة بين الشباب.. كانت تتصور أن
جمالها "البلدي" سيخطف قلب أحد الشبان الأثرياء ويجعلها تقطن فيلا وتركب
مرشيدس كما تقول.. لكن "هؤلاء" لا يتزوجون.. يستمتعون فقط.. وحمدت الله
أنها لم تقع في براثن أحدهم فينهش لحمها البض ويتركها عظماً لا يقبل به أحد.
المهم تزوجت شوقية الحاج خليل والفرق بينهما 35 عاماً أو أكثر.. الرجل بدأ
يخطو نحو السبعين ورغم أنه تزوج مرتين إلا أن الله لم ينعم عليه بذرية
صالحة أو طالحة.. زاد ذلك من طمع شوقية وهي توافق علي الاقتران به.. قالت
لنفسها لو حدث له شيء لن يرث أملاكه ودكاكينه وعماراته إلا أنا.
فجأة سقط الحاج مريضاً بجلطتين في قلبه.. قالوا إنها النهاية.. بدأت شوقية
تستعد مع أمها لمشهد الوفاة.. ذهبت لشراء ملابس سوداء تليق بها بعد وفاة
الحاج خليل الذي كانت تدلله وتقول له "خليلي" وأحياناً "خِللو".
الغريب أنها وهي تشتري ملابس الحداد لم تنس انها أنثي.. قسمت الملابس إلي
ثلاثة أقسام.. محتشمة حتي الأربعين.. كاشفة بعده.. قصيرة كلما اقتربت
الذكري السنوية.. كان تخطيطها انها بما سترثه من أموال الحاج "خليل" يمكنها
إحكام شباكها حول شاب ثري وقوي يعوضها عن العامين اللذين تزوجت فيهما الحاج
ولم تجد ما يروي ظمأها إلي حياة زوجية هانئة.. وعندما تشكو لإحدي صديقاتها
تجد من يقول لها انت من اختار وتحملي النتيجة.
اشتد المرض علي الحاج وقال الأطباء لا أمل.. وبدأت شوقية تجرب الملابس
السوداء أمام المرآة.. جربت المثير قبل المحتشم.. والعاري قبل "المقفول".
ذات صباح لم تستيقظ "شوقية" ماتت في سريرها.. لم تشك من شيء.. كانت شعلة
نشاط.. النكات طالتها بأن طاقتها الزائدة لها أسباب أخري!! لكنها جاء أجلها
"فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون".. مكتوب عند خالقها إنها
ستتوفي في موعد ما باليوم والثانية.. وقد كان.
الجديد أن الحاج خليل شفي من مرضه رغم تقارير الأطباء.. وعاش بعد وفاة
شوقية سبعة أعوام. بل إنه بعد عام طلب أن يتزوج لأن الوحدة صعبة.. لكنه مرض
مرة أخري حتي توفاه الله.
علي أية حال هذه القصة حقيقية مع اختلاف الأسماء. ودائماً أعود إليها في
ذاكرتي بل إنها لا تغادرني قط.. أعود إليها عندما تحتاج الأسرة إلي مطالب
مادية أو عندما أفكر في شراء ثلاث بدل أو ما شابه في المناسبات.. ودائماً
أسأل نفسي بماذا تفيد النقود؟ إنها وسيلة وليست غاية.. إذا ظللنا نعيش علي
فكرة التخطيط للغد بمشروعات فلن يمهلنا القدر للغد.. لذلك كان أهلنا يقولون
"قدموا المشيئة"!
أحلام عقارية!
سألت نفسي مرة فيم يفكر المصريون؟ فوجدت الإجابات كلها تتجه إلي لقمة العيش
وهذا دليل علي أنها أصبحت أصعب من ذي قبل!
قلت إن الذي يفكر يمكن أن يحلم فحاولت استقصاء آراء الزملاء والأصدقاء
فلدهشتي وجدت أنهم أيضا يحلمون بلقمة العيش!
غريب أمر المصريين أحلامهم وتفكيرهم منصبة علي شيء واحد فقط! حاولت أن أشرح
للذين تحدثت معهم عما أقصده فقلت لهم إن الحلم ينبغي أن يختلف عن الواقع..
لا ينفع مثلاً أن تحلم بتقاضي مرتب ألفي جنيه ثم عندما تحققها تحلم بأربعة
آلاف.. هذه ليست أحلاماً.. يسمونها في علم النفس طموح الواقع.. الاحلام هي
أن تسعي إلي شيء خارج إمكانياتك أو مقدرتك.. فقالوا إن الحلم بهذا المرتب
هو خروج عن الواقع.. المهم أنني لم أستطع إيضاح وجهة نظري فقررت أن أسأل
أصدقاء آخرين من طبقة أعلي.. والمعني أن الذين سألتهم في المرة الأولي
كانوا من نفس مستواي المنتمي للطبقة المتوسطة ويبدو أننا جميعاً أصبحنا لا
نفكر إلا في لقمة العيش.
المهم إنني سألت آخرين من الأغنياء فوجدت أن أحلامهم بصفة خاصة تتركز حول
شراء منزل جديد.. لا يهم أن يكون سكناً عائلياً ولكن يمكن أن تكون فيلا في
الساحل الشمالي في قرية الدبلوماسيين أو هاسيندا أو مراسي أو بورتو
بمشتقاتها في البحر الأحمر أو المتوسط.
ومثل "العبيط" سألتهم جميعاً هل تقصدون مارينا؟ فأجابوا بضحكة أنها راحت
عليها. ويبدو أنني كنت أتحدث من الماضي السحيق!!
علي أية حال وضح من الأحلام أن الشركات العقارية هي ملوك المستقبل.. وأنها
تستحوذ علي فلوس البلد. اللهم لا حسد.. شريحة كبيرة من أثرياء السلم
الاجتماعي تحلم بقصور وفيلات في 6 أكتوبر أو القاهرة الجديدة أو التجمع
الخامس ناهيك عن العبور أو الشروق.
الذين يحلمون بمسكن يملكون مسكنين وأحياناً ثلاثة.. لكنها "الفخفخة" أو
الإفراط في الرفاهية.
سألت نفسي لماذا يهتم المصريون الأغنياء هذا الاهتمام الزائد بالسكن فقالوا
لي لذة العيش في التنقل!! البعض ممن سألتهم أجابوني بأنهم يحبون الأماكن
الهادئة وآخرون قالوا إن السكن في منتجعات خاصة يحرك الإبداع ويعطي إحساساً
بالخصوصية.
الذين سألتهم كان معظمهم من سماسرة الأراضي الذين قسموها وباعوها وحققوا من
ورائها ثروات هائلة.. ومثلهم كبار المستوردين وتجار في سلع وكماليات.
لا يمكن أن تسأل موظفاً عن أحلامه.. ويستحيل أن تتكلم الطبقة المتوسطة التي
عرفناها في خمسينيات القرن الماضي عن أحلام مماثلة.. أحلام المصريين
العادية لا تخرج عن وظيفة للابن أو البنت.. كانوا يحلمون أحلاماً تتفق مع
طبيعة البشر.. وظيفة وزواج واستقرار.. الآن هؤلاء الناس لا يحلمون..
فالأحلام رغم أنها تنفيس للعقل الباطن إلا أن كثيراً من المصريين لا
يعرفونها.. باختصار الأحلام أصبحت ترفا.
|