|
الخميس 6 رمضان 1430هـ - 27 من أغسطس 2009م
حكايات اسبوعية
بقلم : محمد علي إبراهيم
هيه إضراب.. ومنطق "اشمعني"!
حتي لا تكون الحكومة "ضرة" الشعب!
كثرت إضرابات مصر بدرجة لافتة للنظر.. بين كل إضراب وآخر إضراب ثالث..
دائماً أتذكر النجم الكوميدي الراحل يونس شلبي وهو يقول في مسرحية مدرسة
المشاغبين "هيه إضراب" وذلك عندما قرر الطلبة الفاشلون الاحتجاج علي انضباط
المعلمة الجديدة سهير البابلي.
لم يكن الطلبة المشاغبون يخشون علي شيء في المسرحية فكلهم ما عدا أحمد زكي
أبناء لمليونيرات الانفتاح ولا يتحملون مسئولية. وبالتالي فإن أسهل شيء هو
إعلان الإضراب! وجملة "هيه إضراب" تعكس السعادة في التحلل من المسئولية
والهرب إلي الفوضي.
وللأسف فإن مصر التي كثرت بها الإضرابات مؤخراً أصبحت تمضي في طريق الفوضي..
ثقافة الإضرابات والاحتجاجات علي أوضاع العمل والمعيشة المنتشرة في العالم
كله تختلف عن إضرابات عمال وموظفي مصر.
الإضرابات في العالم تكون ضد الحكومات. ويحدث بينها وبين المضربين "تفاوض
شاق" يكون الوسيط فيه غالباً "نقابات العمال" وبعد أن ينتهي الإضراب يتم
توثيق الاتفاق بين المضربين والنقابة المختصة من جهة والدولة من جهة أخري.
لكن إضرابات مصر تتم بطريقة أخري تنحصر في المطالبة بالحقوق المالية ثم
الحصول عليها ثم إضراب فئة أخري سعياً وراء الحصول علي مزايا مماثلة للتي
حصل عليها الآخرون.. فقد حصل المعلمون بالتربية والتعليم علي كادر بقانون
تم تمريره في مجلس الشعب وكان ضمن البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية..
وفوجئنا بالإداريين يطلبون مساواتهم بالمدرسين رغم أن طبيعة العمل مختلفة.
لكنها الرغبة في "اشمعني".. سائقو القطارات أضربوا وحصلوا علي بعض الحقوق.
فسارع سائقو النقل العام في القاهرة إلي تقليدهم.. أيضا يبرز منطق "اشمعني"
العشوائي.. كل شخص ينظر إلي ما في يد الآخر ويتمناه لنفسه.
الأصل في الموضوع أن المصريين جميعاً لا يؤمنون "بالتخصص" وهذا سبب كثير من
المشاكل.. خبراء وزارة العدل مثلاً يريدون نفس مزايا المستشارين والقضاة..
هذا تخصص وذاك آخر ولا يستوي الاثنان أبداً.. في مصر مبدأ غريب وهو أنه
طالما أنك في الحكومة فالجميع سواسية.. الطبيب مثل الممرض والمهندس مثل
العامل والفني ينبغي معاملته مثل الصحفي والقاضي وحاجب المحكمة صنوان.. مصر
بها منطق غريب.. طالما أن الجميع يقبضون من "خزينة" واحدة فالجميع سواسية.
إنني لا أعفي الحكومة من المسئولية فالإضرابات أزمة وإدارتها تحتاج فناً..
فن إدارة الأزمة يستطيع احتواء أي مشكلة.. فن إدارة الأزمات يدرس في جامعات
أوروبا وأمريكا وهو أحد عوامل ترجيح مؤهلات الشخص إذا ما تقدم لوظيفة.
علي الجانب الآخر علي الحكومة إدراك أن مستوي الرواتب صار لا يكفي مطالب
الحياة وضرورياتها.. ولو كان قانون الأجور الموحد قد صدر لاستراح كثيرون.
لأن الناس تستريح عندما تعرف أن الجميع يعاملون معاملة واحدة.. قانون
الأجور الموحد كان كفيلاً بتهدئة الاحتقان ولم يكن كل صاحب مهنة يطالب
بكادر لها.
صحيح أن ثقافة الإضرابات لم تترسخ بعد لدي المصريين وأيضا عند الحكومة. كما
أن كل الإضرابات تتم بصورة عشوائية. لكن المؤكد أن هذه العشوائية أخطر من
الإضرابات المنظمة في أوروبا وأمريكا.. فالعشوائية فوضي وهي تنطلق من كلمة
"اشمعني".
الحكومة أخطأت عندما استجابت أحياناً.. وفي أحيان أخري امتنعت. غير أن
الاعتقاد السائد لدي العمال والموظفين هو أنه لن تأخذ حقك إلا بالإضراب "وتجريس"
الحكومة وشرشحتها في الصحف والفضائيات.
من ثم فإن الإضراب سيستمر في مصر إلي أن تتمكن الدولة من إتقان فن إدارة
الأزمات.. وأول قواعد هذا الفن أن تمنع الأزمة ولا تخلقها.. والحكومة رغم
جهودها في الإصلاح الاقتصادي وسيطرتها علي الأسعار قدر الإمكان وإصرارها
علي توفير السلع الغذائية واستمرار الدعم رغم أزمة عالمية طاحنة تساهم
أحيانا في شعور الموظفين والعمال أنها لا تحميهم.. فعندما يطرد مستثمر
عمالاً وحينما يتأخر صرف الحوافز أو يتم تخفيض مخصصات التأمين الصحي. فلابد
أن يسأل الإنسان نفسه هل الحكومة معنا أم ضدنا.. للأسف الحكومة تتحدث كثيراً
عن "الإصلاح" والناس تشعر أنه "ضرتهم" و"العيشة مع الضرة.. مرة" كما يقول
المثل. لذلك علي الحكومة أن تعدل بين المواطنين والإصلاح!
الشوري.. ونعيق البوم!
مرت الذكري الأولي لحريق مجلس الشوري ولم يتذكر أحد الجهد الهائل الذي بذل
لإعادة هذا الصرح التاريخي والتشريعي إلي حالته الأولي وربما أفضل.. بعض
الصحف الخاصة عندما رأت المبني يوشك أن يخرج للنور في صورة أبهي من التي
كان عليها ساءهم أن تنجح هذه الجهود.. أراد بعض الكتاب والصحفيين أن يظل
المبني أطلالاً ليعايروا الدولة التي لا تستطيع الحفاظ علي تاريخها وتهمل
في مقتنياتها وتتراخي في واجبات الدفاع المدني وأهمها الإطفاء.
أراد كثيرون أن يظل الشوري عنواناً علي أطلال ينعقون حولها سنوياً ويدللون
علي الفشل في كل أجهزة الدولة.. والغريب أن الذين ينتقدون عودة الشوري إلي
سابق عهده يسوقون نذر الشؤم والخراب عندما يكتبون مستفسرين ماذا لو حدثت
الكارثة مرة أخري؟!
إنهم فئة اعتادت سرقة الفرح بأي شيء.. هؤلاء جُبلوا علي رؤية "القذي" في كل
شيء ولا تكتحل أعينهم بجمال..
صحيفة تطالب بتحديد المسئول عن حريق الشوري قبل أن يتكرر الحريق مرة أخري!
هل أصبحنا ندمن "اللطم" وشق الجيوب؟ هل نستعذب حدوث الكوارث ونتمني تكرارها
لندلل علي صواب رؤيتنا وأننا كنا علي حق والحكومة مخطئة!
علي أية حال سيخيب الله كيدهم. وسيتأكد أن عزيمة وإصرار صفوت الشريف رئيس
مجلس الشوري علي عودة المبني التاريخي لسابق عهده يؤكد ان الحرص علي تاريخ
مصر أثمن من أن يقدر بمال.. وأن قامه السياسي تستمد من عظمة ما ينتمي إليه..
والشريف من جيل انتمي لمصر بموروثها الثقافي والتاريخي والحضاري والنيابي.
لذلك كان طبيعيا أن ينظر إليه "المهجنون" علي ثقافات أخري وقناعات مختلفة
باستنكار ويتمنون فشله.. إن افتتاح الشوري مع بدء الدورة البرلمانية
القادمة بمشيئة الله سيكون بمثابة انتصار علي البوم والغربان الذين تمنوا
لمصر أن تكون خرابة يلهون ويمرحون حولها.. هؤلاء لا يعرفون لذة العيش إلا
علي الاطلال.. لا ينتمون إلي البنائين المصريين العظماء ولا يعرفون الروح
القتالية التي رفضت الانكسار أمام معاول الهدم ودعاوي الفتنة وقهرت محترفي
الشعارات ومروجي الشائعات.
لقد كان حريق الشوري محنة تعرض لها رئيسه وأعضاؤه. وآن الآوان أن يفخروا
بأن اليأس والقنوط لا يعرفان طريقاً اليهم وسيبقي المبني الجديد بعد
افتتاحه دليلاً شامخاً علي انه لا مكان لبوم أو غربان في مصر. وإذا أرادت
أن تمارس هوايتها في النعيق والنواح فلتطر إلي أماكن أخري تشبع فيها رغبتها
المريضة!
حماس تطلب الثمن!
بعد قيام حماس بتصفية منظمة جند أنصار الله في غزة سألتني الإذاعة
البريطانية عن تحليلي أو تفسيري لاشتباك الإسلاميين مع بعض بهذا العنف
الدموي! قلت لهم انه الصراع الاعتيادي علي السلطة.. الإسلاميون في كل مكان
وزمان طلاب مناصب. فلما شعرت "حماس" بأن هناك إمارة إسلامية توشك أن
تنازعها سطوتها في القطاع دخلت في حرب تكسير عظام معها.. "حماس" رأيها انها
هي "فقط" ينبغي أن ترفع لواء المقاومة وليس لأحد غيرها أن ينازعها هذا
الشرف.. "حماس" استقر في يقينها انها الإسلام وانها المقاومة ولا يحق لكائن
من كان منازعتها هذا الشرف.. لكني كنت واهماً وكان هدف "حماس" من سحق "جندالله"
غير الذي ذكرته تماماً.
ففي الحقيقة اكتشفت بعد عدة أيام أن "حماس" بدأت حملة تسويق لنفسها في
الغرب تعتمد علي شيء غريب جداً هو أنها أصبحت فجأة ضد التطرف!!
فقد أعلن أحد القياديين في الحركة ان "حماس" تحارب التطرف بالسلاح وهو ما
يجب أن يحتفي به في الغرب وينبغي أن تحصل الحركة الإسلامية علي مكافأة
بانفتاح الغرب عليها في المرحلة القادمة!
وبعد أن قرأت هذا التصريح للقيادي الحمساوي فوجئت بالسبق الصحفي الذي حققته
صحيفة "الشرق الأوسط السعودية" الصادرة في لندن وجاء فيه ان هناك ورش عمل
عقدت في سويسرا وضمت شخصيات إسرائيلية وحمساوية.. طبعاً انزعجت الحركة من "المانشيت"
وانكرت ونفت ثم سرعان ما اعترفت ولكنه اعتراف خايب.. فقد تفتق ذهنهم علي أن
هناك من يمثلون وجهات نظر حركة حماس لكنهم ليسوا محسوبين عليها..
حيلة قديمة لجأ إليها الإخوان المسلمون كثيراً.. أقربها حكايتهم مع محمد
عبدالقدوس فهم يقولون انه ليس منهم وانما "حبيبهم" و"صاحبهم" لكنه لا يحظي
بمرتبة أعضاء مكتب الارشاد والمجاهدين - نزلاء السجون - والمنتمين للتنظيم
السري.
وهو نفس ما يقولونه عن المحامي منتصر الزيات وغيره من أعمدة الفكر الإسلامي
والنشطاء في الجماعة المحظورة.. "أصحابنا وحبايبنا لكنهم ليسوا أعضاء
بالتنظيم"!
هذا هو الفكر الإخواني الأصيل الذي انعكس في مصر أولاً وتم تصديره لقطاع
غزة ليواجه به "الحمساوية" الانتقادات التي تحاصرهم حاليا وتقول انهم
أصبحوا "بوجهين".. ينتقدون إسرائيل ويجلسون معها.. يحاربونها وبينهم
اتصالات سرية ولقاءات وأحاديث.
ولا أدري من الذي سقط في فخ الآخر؟ هل سقطت إسرائيل في فخ حماس أم سقط خالد
مشعل "الزعيم" في بيت العنكبوت الصهيوني؟! أتصور انها الثانية لأن إسرائيل
بدأت تلعب مؤخراً لعبة "من يمثل الشعب الفلسطيني"؟.. وهو أسلوب ماكر لا
يؤدي إلي شيء.. حماس تقول نحن. وفتح تزعم انها الأحق.. واليهود يتفرجون
ويضحكون! وهذا ما حدث في سويسرا.. قال الفتحاوية انهم الممثلون الوحيدون
للشعب الفلسطيني وكذلك فعل الحمساوية.
الأدهي أن المعبرين عن فكر "حماس" قالوا في ورشة العمل إن "حماس" تسعي
للسلام وإن علي الأوروبيين بدء إجراءات حوارية معهم..
أجيء للعبة "الإخوان" القديمة التي بدأ الحمساوية يطبقونها في غزة.. يقولون
ان هناك صقوراً وحمائم في الحركة.. وطبيعي أن تسأل إلي من ينحاز الصقر
و"الحمامة"..؟ صقور "حماس" تابعون لإيران.. وحمائمها يفضلون إسرائيل.. هذا
يطير شرقاً وذاك يحلق شمالاً..
انكشف مخطط "حماس".. يريدون السلام مع إسرائيل ويرفضونه مع أشقائهم
الفلسطينيين.. يحتمون بإيران ليحافظوا علي تشددهم الإسلامي في الشارع
العربي وفي الوقت ذاته لا يتورعون عن قتل إسلاميين آخرين والتضحية بهم
قرباناً لأوروبا والغرب!.. "حماس" تراهن الآن علي اعتراف دولي ولو حصلت
عليه بتشجيع من إسرائيل سيكون علينا نسيان الدولة الفلسطينية الواحدة ونقنع
بنصف في غزة والنصف الآخر في رام الله.
وللأسف يبدو أن مصالحة حماس وإسرائيل أصبحت أقرب من مصالحة الحركة
الإسلامية مع شقيقتها اللدودة "فتح".
تهنئة با لـ SMS
قبل رمضان بيومين أو بثلاثة اكتظت التليفونات المحمولة برسائل التهنئة
بقدوم الشهر الفضيل.. بعضها غارق في الإيمان والخشوع والزلفي إلي الله..
والبعض الآخر "روش" حيث حاولوا الاستظراف بكلام مسجوع مثل "خلاص يا عسول..
رمضان علي وصول.. حسنات علطول.. سيئات بتزول".. فريق ثالث أرسل "نكات"
وقفشات..
المهم أنها عادة كل عام منذ أن أصبحت التليفونات المحمولة جزءا من هويتنا
الشخصية لدرجة أن مصطلحاتها أصبحت دارجة علي لسان الأطفال الذين يولدون
الآن ومعهم "محمول" بدلاً من "البامبرز" و"البزازة"..
علي أية حال.. الكم الهائل من رسائل هذا العام دفعني للتساؤل عما جري
لحياتنا الاجتماعية..! أحصيت الرسائل علي تليفوني فوجدتها 350 رسالة أما
مكالمات التهنئة فكانت 11 مكالمة فقط من أصدقاء وأقارب!
ماذا يعني ذلك؟ بعقلية المحاسب قلت إن هناك واحداً من 30 صديقا أهتم بأن
يكون للتهنئة بالشهر الفضيل لمسة انسانية وليس مجرد تهنئة صماء بفانوس أو
رسالة ظريفة أو ثلاث كلمات.. لا فرق.. المهم أن التواصل بين الناس انقرض أو
كاد.. لم يعد أحد راغبا في تبادل تحية حارة وسلامات وازي الصحة وكيف الحال..
المصريون كانوا -ومازالوا- من أكثر شعوب العالم ثرثرة.. لكن يبدو أن مشاغل
الحياة جعلتهم يؤثرون أن تكون التهنئة بالأصابع علي أزرار المحمول بدلاً من
أن تحملها نبرات صوت دافئ محمل بمشاعر طيبة.
بل إن هناك من كنت أتصور أنهم أصدقاء لم يكلفوا أنفسهم الاتصال أو إرسال
SMS.. وسألت نفسي هل أصبحنا نحصر أنفسنا في تهنئة ب25 قرشا علي المحمول؟ هل
هذا هو رمضان الذي كنا به فرحين مستبشرين قبل 20 عاما؟ هل مازال شهر الصيام
له نفس مكانته ورونقه في الخمسينيات والستينيات؟ وبكل الصدق أجزم ب"لا"..
لم يعد أحد يهتم بالتزاور. أو بصلة الرحم.. الناس تعود من عملها منهكة..
الإفطار والنوم.. أو "التبلد" في مقعد أمام التليفزيون لا نتحول عنه ولا
نبغي له حولاً حتي ميعاد السحور..
ال SMS الرمضاني أنار بصيرتي علي ما وصلت إليه أحوالنا في مصر.. أصبحنا
قوما نعشق "الاختصار" في كل شيء.. نختصر الوقت المخصص للعمل.. نرفض قراءة
الكتب لأنها تحتاج وقتا وترهق البصر.. لا نقبل بالجلوس إلي مائدة الأسرة
ولكن نكتفي بسندوتشات "تيك أواي".. لم تعد الأسرة تلتئم إلا في رمضان علي
مائدة الإفطار التي ينتهون منها سريعا. فيذهب من يذهب إلي صلاته أو نومه أو
تليفزيونه أو مطبخه.. حتي نصف الساعة المخصصة للإفطار نبادر إلي اختصارها
وهضم الطعام في عجالة ثم ننصرف كل إلي حاله..
إننا نعيش في زمن اختصرنا فيه كل شيء.. المشاعر والعواطف الدافئة.. أصبحنا
"بتوع تكنولوجيا" فتراجع الجانب الإنساني وتحولنا إلي ماكينات أو آلات صماء..
وهذه الماكينات بداخلنا التهمت أشياء كثيرة جميلة.. زحفت علي القلب واحتلته
وعطلت نبضاته.. وقفت أمام اتصال العقل بالقلب.. فانعزل "العقل" بعيدا عن
شريكه الذي توفي بالسكتة التكنولوجية! |