|
الخميس 29 شعبان 1430هـ -
20 من اغسطس 2009م
حكايات اسبوعية
بقلم: محمد علي إبراهيم
نديــة لا تبعيــة!
ساءني ما نشر في الصحف الخاصة عن أن هناك تفكيراً في إقامة قاعدة أجنبية في
مصر وبالتحديد أمريكية!.. ورغم النفي الذي أكده الرئيس مبارك أكثر من مرة
آخرها في خطابه أمام قمة عدم الانحياز بشرم الشيخ ثم تكرر مرة أخري يوم 3
أغسطس الماضي. فمازالت الأنباء الكاذبة تتردد في صحف الإخوان وغيرها من
المواقع الإلكترونية تزعم زوراً وبهتاناً أن مصر بصدد إقامة قاعدة أمريكية
تمهيداً لما يطلقون عليه التوريث.. خسئتم!
لقد ظلت مصر طوال سنوات علي خلاف مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة.. صحيح
أن الاختلاف مع إدارة بوش كان الأعمق. لكن كان لكل رئيس أمريكي قبله وجهة
نظر بخصوص العلاقات مع مصر.. ولم ترض مصر أبداً أن تكون تابعاً. بل ومنذ
البداية كانت سيداً مسيطراً.
وهكذا أدرك الرؤساء الأمريكيون أن مصر دولة مستقلة ذات سيادة تحترم نفسها
ويهمها أن يحترمها الآخرون.
وقد تنوعت خلافات الإدارات الأمريكية المتتالية مع مصر. ورغم تعدد الأسباب
ظلت القاهرة علي رأيها الثابت.. لم تساوم أو تتنازل أو ترضخ لضغوط في سبيل
الحصول علي مكاسب.
وأتذكر أن الرئيس الأمريكي بل كلينتون كان علي علاقة طيبة بمصر وفي الوقت
ذاته احتفظ بصلات وثيقة مع إسرائيل شأنه شأن معظم الرؤساء الأمريكيين.. وفي
أثناء ولايته الأولي حان موعد تمديد معاهدة منع الانتشار النووي إلي ما لا
نهاية واستثناء إسرائيل منها. لكن مصر اعترضت علي التوقيع علي الاتفاقية ما
لم توقع إسرائيل عليها أولاً وذلك عام ..1995 وبعد أن استنفد بل كلينتون كل
الوسائل لاقناع الرئيس مبارك لجأ إلي الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران
وكان في نهاية فترته الثانية وله علاقة وثيقة جداً بالرئيس مبارك.. طلب
كلينتون من ميتران اقناع مبارك بالتوقيع علي الاتفاقية. لكن الرئيس مبارك
اشترط توقيع إسرائيل أولاً.. الأكثر من هذا أن الرئيس مبارك رهن توقيع مصر
علي معاهدة عدم استخدام الأسلحة الكيميائية والجرثومية بتوقيع تل أبيب علي
معاهدة عدم الانتشار النووي.. وثبت للمجتمع الدولي أن أحداً لا يلوي ذراع
مصر!
واقعة أخري تمثلت في أنه عند قيام إسرائيل بضرب مخيم اللاجئين في قانا
بجنوب لبنان وقتل 105 من النساء والأطفال في أبريل 1996 فيما عرف آنذاك
بعملية عناقيد الغضب رفضت مصر التلميحات الأمريكية التي حملها ادوارد ووكر
السفير الأمريكي بالقاهرة آنذاك بأن أمريكا ستوافق علي التجديد لبطرس بطرس
غالي إذا تغاضت مصر عن قيادة حملة الإدانة لإسرائيل في الأمم المتحدة.. دعت
مصر والمجموعة العربية إلي فتح تحقيق دولي في مذبحة قانا وهو التحقيق الذي
قام به باقتدار بطرس بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة وقتها وأدي إلي
إحراج وإدانة إسرائيل بشدة.. وقتها هددت مادلين أولبريت وزيرة الخارجية
الأمريكي صراحة بطرس بطرس غالي بأنه لن يحظي بفرصة إعادة انتخابه مرة أخري..
وسقط غالي بمؤامرة أمريكية وجاء كوفي أنان بدلاً منه.. وضحت مصر بمنصب رفيع
تفوز به لمرة ثانية عملاً بنظريتها الخالدة أن المباديء لا تتجزأ!
كانت سياسة أمريكا مع مصر أشبه بلعبة "اليويو" فأحيانا ترتفع العلاقات إلي
آفاق رحبة لكنها سرعان ما تهبط لسابع أرض.. علي أية حال لم تقبل مصر أبداً
الضغوط.. قناعة الرئيس مبارك كانت ومازالت أن القرار المصري مستقل ولا يمكن
بأي حال من الأحوال الضغط عليه أو تعديله أو اخضاعه لرغبات دول عظمي اعتادت
أن تملي إرادتها علي الدول الأخري.. مصر ظلت طوال عمرها تتعامل مع واشنطن
معاملة الند للند.. لا تبعية وإنما ندية!
في عام 1996 وفي خضم الأزمة بين ليبيا والغرب المعروفة باسم أزمة لوكيربي.
كانت هناك عقوبات اقتصادية فرضها المجتمع الدولي علي طرابلس.. ونجم عن هذه
العقوبات أن أصبح الأخ العقيد معمر القذافي شخصاً غير مرغوب فيه في معظم
أنحاء العالم.. ومع ذلك.. عُقد في القاهرة في شهر يونيو عام 1996 مؤتمر
القمة العربي برئاسة الرئيس مبارك! كان المؤتمر رداً علي تصريحات نيتنياهو
العدائية غداة فوزه في الانتخابات الإسرائيلية في شهر مايو من نفس العام..
حضر القذافي للقمة في طائرته الخاصة التي كانت ممنوعة من دخول أي أجواء
إقليمية خارجية وهبطت في مطار القاهرة الدولي.. طلب وارين كريستوفر وزير
خارجية أمريكا آنذاك من عمرو موسي وزير خارجية مصر تقديم تفسير لخرق مصر
للحظر المفروض علي ليبيا وأوضح عمرو موسي وزير الخارجية المصري الأسبق أنها
طائرة رئيس دولة ولا يمكن الاعتراض علي هبوطها بالمطار.
ثم جاءت في نفس العام أزمة اختطاف سفير كوريا الشمالية من مصر وظهوره في
واشنطن مدعياً أن القاهرة حصلت علي صواريخ سكود هجومية وطويلة المدي من
بلاده وأنها قادرة علي ضرب إسرائيل!.. ولم تقبل مصر التهديد وأصرت علي حقها
في الحصول علي أسلحة دفاعية ضد الأخطار المحتملة ونفت أن تكون الصواريخ
التي بحوزتها هجومية وإنما دفاعية فقط.. وأكد الرئيس مبارك في مؤتمر صحفي
عالمي حق بلاده في الحصول علي أسلحة مناسبة لقواتها المسلحة وأنها لا تقبل
ابتزازات يمارسها دبلوماسي منشق خرج من مصر بطريقة غير قانونية أو غير
شرعية!
عارضت مصر أمريكا بشدة في مسألة توقيع عقوبات اقتصادية علي ليبيا.. وذهب
الرئيس مبارك عشرات المرات "بالسيارة" إلي طرابلس متحدياً الحصار. كما رفض
فكرة تقسيم السودان التي طرحتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بل كلينتون
وظل الرئيس جورج بوش الابن يضغط عليها خلال فترة إدارته الأولي. لكن الرئيس
مبارك رفضها تماماً.
وتصدت مصر بقوة لفرض عقوبات علي سوريا والتي وافق عليها مجلس النواب
الأمريكي في أكتوبر 2003 بأغلبية ساحقة وعرفت باسم قانون محاسبة سوريا بحجة
تأييدها للإرهاب وإيوائها لعناصر من منظمات "فتح" وحماس.
ولا أنسي هنا أن مصر أظهرت موقفاً قوياً للغاية عام 1982 من إدارة الرئيس
الأمريكي ريجان ويهمني الإشارة إليه في الختام.. كانت القاهرة في العام
الأول من ولاية الرئيس مبارك ..مصر في حالة يرثي لها من تراجع الاقتصاد
وتدهور المرافق وسيطرة الإرهاب علي الصعيد بعد اغتيال الرئيس الراحل
السادات.. لا استثمارات.. ولا تنمية.. ولا أي شيء.. وانظروا إلي ما فعله
مبارك الذي لم يفكر لحظة في ضعف بلاده اقتصادياً وتدهور أوضاعها الأمنية
وهروب الاستثمارات منها بعد اغتيال السادات!.. فجأة وصل الكسندر هيج وزير
الخارجية الأمريكي إلي القاهرة طالباً عقد لقاء مع مبارك علي وجه السرعة..
وفي المقابلة طلب هيج من الرئيس مبارك ضماناً كتابياً من مصر بأنها ستنفذ
اتفاقية كامب ديفيد ولن تتراجع عنها تحت أي ظرف.
نهض الرئيس مبارك واقفاً إيذاناً بانتهاء المقابلة وقال لوزير الخارجية
الأمريكي إن كلمة مصر هي أكبر ضمان فنحن لا نتراجع عن معاهدة أو اتفاقية
وقعناها.. إنه التزام دولة وليس التزام أشخاص.
لقد سقت الأمثلة السابقة ليري الذين في عيونهم رمد أن بلدنا لم يتنازل يوماً
عن سيادته واستقلال قراره حتي في أحلك الظروف وتحت أعتي الضغوط.. وعسي أن
يفهم الذين يتحدثون عن احتمال إقامة قواعد عسكرية أمريكية في مصر أو
الاشتراك في مظلة دفاعية عن الشرق الأوسط أن التراب المصري لا يدخل نطاق
المساومة أو التفاوض.. اقرأوا التاريخ وتعلموا ولا تعتمدوا علي أن ذاكرة
المصريين ضعيفة فهي أقوي من الأفاقين والكذابين.
مَنْ ينتصر في سباق الشرق الأوسط
سلام مبارك أوباما.. أم حرب إسرائيل؟!
كل شيخ وله طريقة كما نقول في مصر.. فإذا كان بوش اشتهر بتصميمه وعناده علي
خوض حرب ضد المسلمين والعرب.. فإن أوباما تميز خلال السبعة أشهر الماضية
بإصراره علي تحقيق السلام سواء كان هذا الهدف مع العرب أو المسلمين.
غير أن السلام الذي ينشده أوباما ربما تفسده طبول حرب تشنها إسرائيل.. وحتي
إذا كان الرئيس الأسمر لا يرضي عن سياسات الدولة العبرية فإن هذا لا يعني
أنه سيعاقبها أو أن الكونجرس سيقف عن بكرة أبيه مندداً بسياساتها.. هذا لن
يحدث.
تل أبيب يمكنها أن تشعل حرباً علي لبنان في طرفة عين أو ضد إيران. عندئذ
فإن إصرار أوباما علي السلام سيتحول - رغما عنه - إلي محاولة تقليل خسائر
الحرب التي ستورطه إسرائيل في نتائجها وتبعاتها.
من ثم فإن إصرار أوباما علي السلام يدفعه للتحرك بسرعة إزاء منع الحرب..
لكن "الحركة" السريعة لن تكفي ما لم تكن مصحوبة "بفرامل" لإسرائيل.. وأتصور
أن هذه "الفرامل" لن تجدي بدون خطة سلام شاملة وهو ما يسعي إليه أوباما..
تصور الرئيس الأمريكي لخطة السلام سيتحدد ويتبلور بعد قمته المنتظرة مع
الرئيس مبارك والتي انتهت أمس الأول.
والمتوقع أن يعلن الرئيس أوباما عن مبادرة سلام شاملة قبل نهاية رمضان
تستند إلي حصيلة اجتماعاته التي عقدها هو ومبعوثوه خلال الستة أشهر الماضية
مع كل الأطراف المعنية وتتطرق إلي شكل العملية جنباً إلي جنب مع مضمونها.
وتقول تقارير قادمة من العاصمة واشنطن إن خطة السلام الأمريكية المنتظرة أو
لو شئنا الدقة "مبادرة أوباما" ستكون عبارة عن عقد مؤتمر دولي كبير يشبه
إلي حد بعيد مؤتمر مدريد بحيث يتم لم شمل قادة الدول الأساسيين في العالم
الإسلامي جنباً إلي جنب مع قادة العرب والمجتمع الدولي.. يعقب ذلك المؤتمر
تفاوض ثنائي مكثف علي غرار ما تم في كامب ديفيد بحيث تكون للخطة إطارها
الدولي وضمانها العالمي في نفس الوقت الذي لا يتم فيه تجاهل التفصيلات
الداخلية وتعقيداتها مع ضمان مشاركة أمريكية قوية في هذه المفاوضات
الثنائية لإنجاحها.
تصوري الخاص أن أوباما سيضع حدود وإطارات السلام النهائي وهو لن يتلكأ في
تنفيذها.. فعلي المسار الإسرائيلي - الفلسطيني كما يقول مدير مركز كارنيجي
للسلام سيستند الحل إلي خطة الدولتين وهو نفس ما كان سائداً من قبل أيام
الرئيس بوش و"خطة طريق". لكن هذه المرة ستكون مصحوبة بترتيبات أمنية مع
ضمانات دولية وإزالة بعض المستوطنات في الضفة الغربية وتبادل الأراضي بين
إسرائيل وفلسطين ورسم الحدود النهائية والاعتراف بحق العودة مع تعويضات
مناسبة للذين لن يتمكنوا من العودة.. وبلورة وضعية للقدس بصفتها عاصمة
ثنائية مع ضمان الدخول للأماكن المقدسة للمسلمين والمسيحيين.
التحدي الذي يواجه أوباما وكما شرحه له الرئيس مبارك ليس في المسار
الإسرائيلي - السوري أو الإسرائيلي - اللبناني. لكن المشكلة الحقيقية هي
إسرائيل وفلسطين.
المعلومات المتوافرة حالياً تقول إن الرئيس أوباما يهدف إلي إنجاز التسوية
في خلال 12 إلي 18 شهراً وستتاح له أرصدة سياسية تمكنه من تحقيق ما عجز عنه
آخرون.
الرئيس مبارك ينصح الإدارة الأمريكية الجديدة ألا تنساق وراء دعوات لمحاولة
حل المسارات الأخري في الصراع العربي الإسرائيلي وترك القضية الجوهرية بدون
حل.. المسارات السورية واللبنانية "معروف معطياتها ومتفق عليها" فمثلاً
المسار السوري يستند إلي عودة الجولان المحتل وتوقيع معاهدة أمنية واتفاق
لتقسيم المياه ثم التطبيع.. ليس هناك خلاف كبير.. بالنسبة للبنان يشمل
معالجة قضايا المياه وفق القانون الدولي وعرض ضمانات دولية تحمي لبنان من
الاختراقات الإسرائيلية المتكررة براً وبحراً في مقابل نزع سلاح حزب الله.
لكن السؤال الهام هل ستترك إسرائيل أوباما ينفذ خطته دون أن ترهقه في
تفاصيل كثيرة! الأخطر أن المتشددين في إسرائيل والمتطرفين في إيران يسعون
لتجهيز المسرح لحرب مباشرة أو غير مباشرة "من خلال حزب الله".. لذلك نقول
أن أي مواجهة بين تل أبيب وطهران علي الملف النووي هي أسرع طريق للقضاء علي
السلام.. الاثنان يتعللان بالملف النووي لإشعال الحرب.. طهران تقول إنه حق..
وتل أبيب تقول إنها ستسلبها الحق.
وهناك احتمال آخر وهو أنه إذا لم تستطع إسرائيل شن حرب علي طهران. يمكنها
احتلال لبنان مرة أخري بحجة أنها تخشي وصول قنبلة نووية إلي حزب الله
فيضربها بها!
إذن المسرح الذي شرحه الرئيس مبارك لنظيره الأمريكي عبارة عن متطرفين في
إسرائيل بعضهم يرغب في أن يجلب لإسرائيل اعترافاً من الدول العربية ويقدم
دولة فلسطينية اسمية بدون مقومات. والبعض الآخر لا يهمه السلام في شيء
ويهدف إلي التطهير العرقي وطرد الفلسطينيين من إسرائيل نهائياً.. المتطرفون
في إيران متشككون في نوايا أوباما للسلام ومن ثم قد يشجعون حزب الله علي
خوض حرب أخري في المنطقة أو القيام بضربة سريعة في الخليج إذا ما شعروا
باقتراب خطر ضربة إسرائيلية.
الاقتراح الإيجابي الذي قدمه الرئيس مبارك هو أن الفرصة سانحة لإقرار
السلام في منطقة الشرق الأوسط الملتهبة.. لكنها آخر فرصة.. إذا قامت الدولة
الفلسطينية سيفقد المتطرفون العرب والإسرائيليون والإيرانيون الذريعة
والمبرر لتشددهم.
من أهم الإيجابيات التي بحثها مبارك مع أوباما هي أن تسبق الدولة
الفلسطينية أي تسويف إسرائيلي أو تهديد إيراني.. لأنه لو رفضت إيران مهلة
ال 6 أشهر التي منحها لها أوباما. ولم تتجاوب مع الاتصالات التي تقنعها
بالتعاون مع وكالة الطاقة الذرية وتوقيع معاهدة عدم الانتشار النووي. فمن
المؤكد أن الشرق الأوسط سيدخل الحرب!
|