|
الخميس 15 شعبان 1430هـ - 6 من أغسطس 2009م
حكايات أسبوعية
بقلم : محمد علي إبراهيم
هل للمعارضة وجود جماهيري ؟!
هاجمت قيادات المعارضة أحمد عز أمين عام مساعد الحزب الوطني والنائب بمجلس
الشعب لأنه وصف انتقادات المعارضة لحزبه ب "المتدنية".. أنا هنا لست في
مجال الدفاع عن الحزب الوطني أو أحمد عز.. فالحزب الوطني هو حزب الأغلبية
ويحكم وشكّل الحكومة ولديه برنامج انتخابي يتم تنفيذه بإصرار.. وهو الوحيد
الذي يمتلك رؤية للمستقبل وسجل انجازات ولعل ذلك ما جعله يركز فيما حققه
وما هو بصدد إنهائه ولم يلتفت كثيراً إلي ما تقوله المعارضة.. لكن
لماذا توقفت المعارضة طويلاً أمام كلمة "متدنية". إذا كان ما نقل عن أمين
التنظيم صحيحاً.. ولم تقف عند الكم الهائل من السباب الذي يوجه للحزب
الوطني وقياداته تحت قبة البرلمان وفي الصحف الناطقة بلسان الأحزاب أو التي
يمولها الإخوان؟؟
رأيي الشخصي انه طالما أن المعارضة تهاجم الحزب بلغة مسفة ومتدنية وفي كثير
من الأحيان لا تقدم أدلة علي اتهاماتها. فإن واجب الحزب أن يرد علي الهجوم..
قد يقول البعض ولكن ينبغي مراعاة الألفاظ.. وهنا يهمني الإشارة إلي ان
المرء لا يختار لغة الهجوم وانما الذي يحدد ذلك هو الخصوم.
أتصور أن اللفظ الذي بدأ هجوم المعارضة بسببه كان موجها في الأساس للجماعات
غير الشرعية التي مارست السياسة خلسة وتريد أن تفرض رؤيتها وأجندتها
وايدولوجيتها علي الساحة السياسية في مصر رغم انهم "محظورون" بنص القانون
والدستور.
ودعوني أناقش نقطة جوهرية اثارتها قيادات المعارضة في ردودها علي النقد
الموجه لها حيث أجمع أسامة الغزالي حرب وعصمت السادات وجورج اسحاق وجمال
زهران وغيرهم أن المعارضة هي الأقدر علي الالتحام والحشد الجماهيري من
الحزب الوطني وأن الأخير مسئول عن ترديها وتركيعها وتشتيتها..! وأعتقد ان
هذا كلام عجيب.
فالحزب الوطني ليس المسئول مثلاً عن الصراعات المتفجرة في حزب التجمع بين
د. رفعت السعيد أمينه العام وبين أبوالعز الحريري الذي يطعن في صلاحيته..
والحزب الوطني لم يكن مسئولاً عن حرب داحس والغبراء التي دارت رحاها في
أروقة حزب الوفد بين نعمان جمعة ومحمود أباظة ولا كانت قيادات الحزب الوطني
هي التي دفعت اتباع هذا أو ذاك لإطلاق الرصاص في مقر الحزب العتيق بشارع
بولس حنا!
لا أصدق أن الأحزاب موجودة في الشارع وملتحمة بالجماهير..! الالتحام
بالجماهير يعني تقديم خدمات والتحدث بلسان أهل الدوائر في البرلمان..! لكن
الذي يحدث اننا نجد نواب "الإخوان" يتحدثون بلسان ايران ومشيدين بحماس داخل
مجلس الشعب المصري!! ولايملكون برنامجاً بديلاً أو مناهضاً للبرنامج
الانتخابي للحزب الوطني..
وإذا كانت الأحزاب موجودة بهذه الكثافة في الشارع المصري فلماذا لم يتقدم
نوابها مثلا ببرنامج أفضل من برنامج التأمين الصحي الذي قدمه الحزب الوطني؟
لماذا لم يعرضوا برنامجا أفضل للمعاشات ولماذا لم يقترحوا سياسة لمواجهة
الأزمة المالية العالمية؟
إذا كان الحزب الوطني الذي تتعدي عضويته 3 ملايين عضو غير موجود بالشارع.
فمن الموجود إذن؟! صحيح ان الحزب غير نافذ إلي كل شارع وحارة. ولكنه متواجد
في 28 محافظة واكتسب ثقة الناس واصبح كثيرون يتقدمون بطلبات للالتحاق به.
وكلهم في سن الشباب! فأين الأحزاب الأخري التي تجدد نفسها؟!
تحدثت قيادات المعارضة علي أن الأمن يمنع أي مؤتمرات جماهيرية للأحزاب!
وهذا كلام كاذب كله.. فصحيفة الوفد مثلا تتصدرها صور المؤتمرات الحاشدة
لرئيس الحزب في كل مدن مصر. ولم يعترض أحد علي عقدها.. وكذلك مؤتمرات
الناصري والتجمع وحزب الجبهة الديموقراطية الذي يقول رئيسه د.الغزالي حرب
ان الحزب الوطني يسيطر علي وسائل الاعلام من صحف وتليفزيون..
ود. أسامة يرأس تحرير مطبوعة قومية هي مجلة السياسة الدولية وكان عليه
الاستقالة من منصبه طالما أنه يشعر ان الحزب يملك المجلة التي يرأسها رغم
أنه رئيس حزب معارض..!! المعارضة هي التي تمارس الازدواجية!
إذا كان للمعارضة وجود جماهيري كما يقولون فلماذا يحصلون علي إعانة من
الدولة؟ لماذا لا تكتفي احزاب المعارضة بتحصيل اشتراكات من أعضائها الذين
يقولون انهم متلاحمون مع الجماهير ويفوقون اعضاء الحزب الحاكم..
وتبقي النكتة الأخيرة التي ساقها بعض رموز المعارضة بأن هناك حربا أهلية في
الوطني وان ما صدر عن "أحمد عز" هو للتغطية علي هذه الحرب!! ياجماعة الخير
الحرب الأهلية موجودة في التجمع.. وفي الناصري.. وفي الوفد.. النار في
ثيابكم انتم فلا تبحثوا عنها في مكان آخر.. الحرب الأهلية في كل الأحزاب..
وهي غير موجودة بالوطني لأنه حزب "مؤسسي" تقوم قياداته بالأدوار المرسومة
لها بعناية.. هناك تكامل بين هذه الأدوار وليس تنافراً. وبالتالي تكتمل
المنظومة الحزبية الواحدة..
ويبقي ما يردده جمال زهران النائب المستقل كل حين وآخر بأن "المستقلين" هم
الذين حققوا الاغلبية للوطني بعد انضمامهم إليه عقب انتخابات 2005. وهو قول
مردود عليه بأن هؤلاء المستقلين اعضاء بالحزب الوطني ولو كانوا مستقلين
بالمعني الذي تقصده لانضموا للإخوان مثل آخرين يعرفهم "زهران" لأنهم
مستقلون اسما و"محظورون" فعلاً ودعماً وتمويلاً..
المستقلون الذين انضموا للوطني بعد الانتخابات هم أبناؤه وليسوا دخلاء عليه
أو مرتزقة قبضوا ثمناً لانضمامهم كما فعل البعض ممن يعرفهم زهران ولكنهم
أرادوا استثمار شعبيتهم في دوائرهم المعروفون فيها ونجحوا..
مرة أخري أقول إن المعارضة وبالذات الإخوان حولوا العمل السياسي "لتلاسن"..
فلا يعقل أن يتفرج الآخرون..
السياسة والمسلسلات!!
بعد أسبوعين يهل علينا رمضان المبارك.. شهر الصيام والصلاة والزكاة
والعبادة.. وأيضا شهر المسلسلات.. فكثير من المسلمين يرتبطون بمسلسلات
رمضان أكثر مما يرتبطون بالشهر نفسه.. المسلسلات هي "الدنيا" التي لا
نستطيع الابتعاد عنها شهرا واحدا في العام.. وهي المتاع الزائل الذي يحرضنا
المولي - عز وجل - أن يعطينا غيره فنأبي ونتمسك بما يشغلنا عن الجوع والعطش.
يقول البعض إنها "تسالي" وآخرون يزعمون أنها "عادة" وبين هؤلاء وأولئك تبرز
فئة الكسالي وما أكثرهم الذين تتعلق أنظارهم بشاشة التليفزيون من "الفراش"
أو من "الشزلونج".
وطوال السنوات الثلاث الماضية لاحظت أن متابعة المسلسلات تحولت إلي نوع من
المنافسة تذكيها القنوات الفضائية التي تنظم مسابقات عن أي من هذه
التمثيليات هو الأفضل.. ويكتسب التنافس كذلك نعرة تعصب عندما يتطرق إلي لمن
التفوق هذا العام للمصريين أم السوريين أم الخليجيين.؟
وهكذا حولنا حتي المشاهدة البريئة إلي ساحة للتنافس العربي..! فالعرب
المختلفون علي كل شيء لا يمكن أن يتفقوا علي "مسلسل".. !عرب "الممانعة" في
خندق.. وعرب "الموالاة" في خندق آخر.. لا تجد مسلسلات مصرية تعرض في سوريا
إلا في أضيق الحدود..! وعندما تستعين مصر بمخرجين وممثلين سوريين في
أعمالها الدرامية بسبب رخص أجورهم وارتفاع مهاراتهم الفنية... تجد من يقول
لك إن هوليوود الشرق أجدبت ولم تعد تجد من يعمل في أفلامها ومسلسلاتها.
والحقيقة التي أجدني مشدودا إليها في رمضان هي أيهما أكثر واقعية وجذبا
للمشاهدة.. سيناريو الأزمات العربية أم حبكة المسلسلات الدرامية؟!.
من المؤكد أن الأزمات العربية هي الأكثر إثارة ولو تم صياغتها في حكايات
درامية فستجتذب المشاهد أكثر مما تجتذبه "التسالي" التي يعرضها التليفزيون
علي مشاهدين أصيبوا بتخمة الشبع أو قسوة العطش.. وفي الحالين يكون العقل
غائبا والذهن غير متقد والمتابعة بالعينين فقط وليس بكامل الانتباه.
لا شك أيضا أن الذين يشيدون بالمسلسل السوري - التاريخي غالبا والاجتماعي
أحيانا - يغفلون عن أن السوريين لا يتطرقون أبدا لانتقاد الوضع القائم -
حتي لو بالرمز - وأن المسلسل الوحيد لدريد لحام الذي تجاسر علي ذلك تم منع
عرضه..علي أية حال يهمني القول إن العقل إذا كان غائبا في رمضان من تأثير
الصيام ويجعلنا نقبل بمشاهدة أي شيء بعد الإفطار. فانه يهمني القول إن
المسلسلات علي تألقها وروعتها وبراعة ممثليها وقدرة مخرجيها لا ينبغي أن
تنسينا أن هناك دولا عربية وأشقاء عرباً مازالوا بلا كهرباء في لبنان
وفلسطين والعراق والسودان والصومال...وبالتالي لن يشاهدوا مسلسلات...
الصراع الفلسطيني الفلسطيني مثلا والاحتلال الإسرائيلي الغاشم لغزة لا يجعل
الكهرباء منتظمة.. أهلنا في الصومال سيجيء عليهم رمضان وهم يعانون الجوع
بالإضافة للمعارك والقتال والمطاردات.. بعض أهالينا في لبنان والسودان
والعراق ليسوا في ترف التفرغ لمشاهدة المسلسلات العربية والتنقل من كرسي
لفوتيل لسرير في غرف مكيفة الهواء و سيجاهد بعض العرب للحصول علي اللقمة
وشربة الماء!
وهنا ينبغي علينا أن نسأل أنفسنا السؤال الهام: من الذي فعل بالعرب ذلك؟ من
الذي قسمهم إلي شيع وفرق وفصائل وميلشيات كلها تناهض بعضها البعض..؟ طبعا
العرب أنفسهم.. فما حدث في العراق ولبنان وفلسطين والسودان والصومال لم يكن
بيد الأعداء ولكن بأيدينا نحن!
حالنا تعبان لدرجة أننا لا نستطيع أن نشاهد مسلسلات مصرية في سوريا أو في
أجزاء من لبنان أو في مناطق الشيعة في العراق.. زمان كان الفيلم المصري
بلهجته الجميلة التي يفهمها العرب أجمعون يعرض من المحيط للخليج ويتابعه
العالم العربي كله بشغف.. الآن هناك من يمنع المسلسلات المصرية.. بعض دول
الخليج تقول من يرد المشاهدة فعليه تركيب طبق لالتقاط النايل سات. لكننا لن
ندعم اتحاد الإذاعة والتليفزيون "المصري"!
خلطنا السياسة بالمسلسلات.. سيطرت الخلافات علي الفن.. وعلي الرياضة فالذين
هنأوا مصر بأدائها أمام البرازيل وإيطاليا في كأس القارات بجنوب إفريقيا
كانوا من الدول المتفقة معنا سياسيا. أما الآخرون ففرحوا للهزيمة القاسية
التي لحقت بنا من أمريكا.. وهكذا العرب واقعهم أفضل من مسلسلاتهم.. أتدرون
لماذا؟ لأن الواقع مسلسل مستمر ومتجدد أما المسلسل التليفزيوني فينتهي بعد
30 حلقة فقط!
أين ذهبت الطبقة المتوسطة؟
في جلسات كثيرة وعلي مختلف المستويات يحدث أن يتساءل أحدهم عن الطبقة
المتوسطة ويرد آخر أنها ذهبت بغير رجعة أو انقضي أمرها!
والحقيقة في رأيي الشخصي أن هذه الطبقة مازالت موجودة.. لم تعد فقط موظفين
وأطباء ومهندسين ولكنها اتسعت لتشمل التجار والصناع وحتي الحرفيين.
اختلف تعريف الطبقة المتوسطة لأننا كنا نربطه بالعاملين في الجهاز الإداري
للدولة فقط.. لكن الآن من يعمل في القطاع الخاص وحتي من يعيش في العشوائيات
أصبح مندرجاً تحت نفس المسمي.. قاطنو العشوائيات ليسوا جميعاً من الفقراء
بعضهم يعطي دروساً خصوصية لأبنائه بأكثر من ألفي جنيه في الشهر وفاتورة
موبايلاته 300 جنيه.. العشوائيات في العالم كله مبنية بالصفيح والكرتون..
مصر هي البلد الوحيد الذي تبني فيه العشوائيات بالخرسانة المسلحة.. مؤكد أن
ساكنيها فيهم فقراء لكن منهم أيضا متوسطو الحال.
إنني أسترجع هنا المسافة التي كان والدي يقطعها بالسيارة إلي البحيرة حيث
مسقط رأسه في إيتاي البارود.. الطريق الزراعي كان يحملنا في ساعتين.. الآن
نصل بعد ثلاث ساعات ونصف الساعة رغم ان الطريق صار ممهداً بصورة أفضل عن ذي
قبل.. لكن السيارات زادت عن مثيلاتها في نهاية السبعينات أربعة أو خمسة
أمثال العدد السابق.. وهناك محلات علي جانبي الطريق.. رواج سيارات وتجارة.
ألا يعني ذلك تحسنا في أحوال المعيشة؟
مثال آخر.. تنتج مصانع الحديد 7 ملايين طن سنويا ويتصور الناس انها تذهب
للتجمع الخامس والفيلات المليونية.. بينما الحقيقة ان 70% من هذه الكمية أي
4 ملايين و900 ألف طن تذهب لتوابع القري وعواصم المراكز والمحافظات.. الأمر
الذي يؤكد ان هناك حركة بناء في الريف والقري وان القاهرة والإسكندرية لا
تستأثران بغالبية إنتاج الحديد كله.
الأمثلة كثيرة كانت مصر تنتج 30 ألف سيارة وأصبحت 300 ألف سيارة سنوياً من
غير المعقول أن تكون كلها من نوعية المرسيدس وال بي.ام. لكنها في معظمها أو
90% منها سيارات ذات 1600 سي سي أو 1300 سي سي.. الأكثر ان 60% من هذه
السيارات مباعة بأقساط شهرية .. أي أن هناك كثيرين يدفعون أكثر من ألف جنيه
شهرياً قسطاً للسيارة. من غير المعقول أن يشتري مليونير سيارة بالتقسيط!
نواب البرلمان يتحدثون عن ظاهرة أخري وهي أن أهلنا في الريف يطلبون مدارس
تجريبية وليس "حكومية" لأولادهم.. وهي تطلب علي الأقل مصاريف 600 جنيه في
العام.. إذن الفلاح أدرك أن هناك مفاضلة بين نوعين من التعليم. فاختار
الأغلي لأنه يعلم انه سيعطي تعليماً أفضل لأبنائه.
41 مليون تليفون محمول في مصر بمتوسط انفاق 80 جنيهاً شهرياً أي أن هناك
حوالي 5.3 مليار جنيه تنفق علي المحمول اضافة إلي 9 مليارات جنيه دروسا
خصوصية أي أن الأسرة المتوسطة تنفق 12.5 مليار جنيه علي خدمات! ناهيك عن
فاتورة كهرباء لا تقل عن 40 جنيهاً شهرياً.
وهكذا يتضح من أشياء كثيرة أن الطبقة المتوسطة في مصر لم تنقرض. ولم تطغ
عليها طبقة الموسرين أو محدودي الدخل.. كل ما في الأمر انها اتسعت لتشمل
فئات جديدة أصبح لها القدرة علي الانفاق بعد تحسن الأحوال المعيشية وزيادة
المدخلات إلي العائلات.
عبده طلبات!
لي صديق في حيِّنا العتيق لا يكف عن الشكوي ولا يمل من التذمر.. ورغما عن
تبرمه وضيقه من كل شيء إلا أن الأهل في العباسية يطلقون عليه اسم "عبده
طلبات".. فهو يطلب حينا.. وفي معظم الأحيان يأمر.. لا أعلم من أين يستمد
هذه القوة عندما يتحدث إلينا واضعا ساقاً فوق ساق ويحدثنا بلهجة هي أقرب
إلي الآمر الناهي منه إلي الطالب المحتاج.
"عبده طلبات" موظف في مؤسسة حكومية.. كان يشغل منصبا رفيعا ثم "جمدوه"..
يقال إن تجميده جاء بسبب عدم انتظام ذمته المالية.. كانت "أستك".. صحيح أن
أحداً لم يستطع أن يثبت أي شيء ضده. لكن العيار اللي مايصبش يدوش.. ركنوه..
لكنه اعتاد أن يصدر الأوامر.. أصبح مثل التركي الذي أفلس فجلس واضعا أمامه
عدد من القلل القناوي يقول للمارة لا تشرب من هذه واشرب من تلك.
"عبده طلبات" كان يعمل في ظل رئيس مؤسسة "كرشه واسع".. كانا أشبه بعلي جناح
التبريزي وتابعه "قفة"! فإذا أكل الكبير عجلاً يأخذ عبده خروفا.. وإذا
التهم ديكاً رومياً فلا مانع من دجاجة لعبده.. وإذا امتلك سيارتي مرسيدس
فيكفي عبده لادا.
المهم أن عبده بعد ما ركنوه.. الناس في الشارع معرفتش أنه "اتجمد".. ظلوا
يطلبون منه وأقنعهم صاحبنا أنه إذا دبل الورد فرائحته مازالت فيه.. أنا
شخصيا لم أجد فيه أي رائحة.. اللهم إلا الرائحة السيئة.. المهم أعود لعبده
وطلباته فأقول.. الرجل استغل موقعه "الذي كان" وصار يوهم الناس أنه مازال
قادراً علي خدمتهم.. علي أية حال تصادف أن طلب مني خدمة.. جاهدت أن أقضيها
له.. لم تتم بالشكل المطلوب فقد كان يرغب في نقل قريب له إلي الصعيد..
اختار الأقصر لكن الوزارة المختصة أرسلته لقنا.. لم يعجبه الاختيار وقال
محدش عمل لي حاجة! يا سيدي قريبك اتنقل.. أجابني طالما لم يذهب للمكان الذي
اختاره فالخدمة لم تتم.
بعد أيام قابلت زميلاً آخر وأفهمني أن "عبده طلبات" طلب منه خدمة وأداها له
ولكن بنسبة 90% حيث فقد كان أحدهم يطلب ترخيصا لكشك في العجوزة وحصل عليه
في شارع شهير بالجيزة.. وشكا لي ثالث من نفس القضية وهي أن عبده لا يعجبه
شيء.. وبالبحث تبين أنه يتقاضي مقابلا مادياً نظير إنجاز الطلبات.. وطالما
أن الطلب لم يتم علي الوجه الأكمل فهذا ينتقص من المقابل المادي الذي يحصل
عليه "عبده".. وهكذا يسخط الناس علي "عبده" ويسخط هو علينا.
"عبده طلبات" نموذج لما يحدث في مصر الآن من شره وطمع وغياب القناعة والسعي
للكمال وأنت لا تملك مقوماته!! "عبده طلبات" استنساخ للإقطاعيين وكبار
الملاك الذين كانوا يضربون الفلاحين بالسياط لأنهم لا ينفذون ما يريدون ..
الآن "عبده" لسانه أقسي من سياط الاقطاعيين .. "محدش بيعمل لي حاجة.. الله
يخرب بيوتكم.. فين أيام ماكنتوا بتبوسوا الجزم".
عبده مازال يعيش في وهم أنه كان "صبي الكبير" في حارة "حلال عليك" .. كل
شيء سهل ومتاح وميسور.. لذلك ما أن غرب زمان عبده وكبيره حتي سقطا من ذاكرة
الجميع.. الذين يسدون إليه خدمة يفعلونها بنوع من الأصل الطيب .. لكن الذي
يجرب لسان "عبده" يصبح "قليل الأصل" رغماً عنه.
والآن علي أي جبار مشي في الأرض فرحا وبلغ الجبال طولا وتصور أنه سيخرق
الأسفلت عليه أن يضع نصب عينيه أن الدنيا "دوارة".. والناس لا تنسي.. وإذا
نسيت فإنها لا تغفر وإذا غفرت فإنها لا تقبل معاملة سيئة أو خيلاء أو تكبراً
.. فالكبر علي أهل الكبر صدقة!
|