محمد على إبراهيم .... رئيس تحرير الجمهورية

 

السيرة الذاتية | مصر المستقبل | تحليلات | حكايات اسبوعية | مختصر ومفيد | حوارات صحفية | البوم الصور

حقنا .. وحقهم!
الخميس 11 من ربيع الاول 1431هـ - 25 من فبراير 2010 م

كتب رئيس - التحرير:
كثيرون كتبوا أن مصر ذهبت متهمة إلي المجلس الدولي لحقوق الإنسان وأن وفدها "الحكومي" كان في موقف صعب إزاء انتهاكات الحريات وحقوق الإنسان. ورضخ للمطالب المفروض عليه تنفيذها لتخفيف الانتقادات والإدانات للممارسات الحكومية.
دارت في رأسي أسئلة هامة وهي هل ذهبنا متهمين إلي هذا المجلس؟ هل نواجه خطر عقوبات بسبب تردي سجلنا في حقوق الإنسان؟! هل أصبحت مصر علي القائمة السوداء للدول التي تنتهك حقوق الإنسان في العالم؟! هل ستسلط علينا واشنطن من أبنائنا من يحاسبنا ويظلمنا ويرفع إليها التقارير باعتبارها ولية أمر حقوق الإنسان في العالم! الأسئلة حملتها للدكتور مفيد شهاب وزير الشئون القانونية والمجالس النيابية والرجل الذي يسند إليه الرئيس حسني مبارك دائما المهمات الصعبة.. فقد رأس الوفد المصري لقمة الدوحة غير العادية العام الماضي والتي انعقدت في ظروف استثنائية أثناء حرب غزة وظهر أن قطر تخطط لمؤامرة علي قمة الكويت الرسمية التي ستحضرها مصر.. وخرجت من شهاب تصريحات في الدوحة تحمل رسالة القاهرة للذين نظموا المؤتمر وتؤكد حرصها علي الصف العربي وعلي أن المصالحة لابد أن تكون حقيقية وليست "مصافحة" باليدين فقط.. وقبلها حضر قمة دمشق التي لم يحضرها مبارك.. وأوصل الرسالة البليغة لعدم حضور الرئيس بألفاظ منتقاة وحادة ولا تجرح أحداً.
يا معالي الوزير احنا متهمين بايه! هكذا سألته. وبهدوئه أجاب ياسيدي نحن لسنا متهمين بشيء.. الوفد المصري ذهب إلي جنيف ضمن إطار ما يسمي بآلية المراجعة الدولية الشاملة لحالة حقوق الإنسان في دولة واحدة.. وهي اختصار ل UPR.. المجلس الدولي لحقوق الإنسان في جنيف هو بديل عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والتي كانت مختصة بنظر شكاوي فردية. لكن المنظمة الدولية أرادت الارتفاع بها لتكون مجلسا منفصلا مثل اليونسكو والصحة العالمية WHO وغيرها.
المجلس الدولي لحقوق الإنسان في جنيف يضم 47 دولة كأعضاء يتم اختيارهم بعوامل الجغرافيا كممثلين عن أوروبا وافريقيا وآسيا والمجموعة العربية وأمريكا وغيرها.. كل 3 سنوات تتغير العضوية.. مصر اختيرت عضوا عام 2007 وستنتهي عضويتها ..2010 اختيار مصر داخل المجلس تم لجهدها الكبير في الارتقاء بحقوق الإنسان وتحسين هذه الخدمة.
في عام 2006 انشئت آلية لتفعيل حقوق الإنسان في العالم ومصر كانت من الدول الرئيسية التي تم اختيارها في هذه الآلية والكلام مازال للدكتور مفيد شهاب
إذن من البداية مصر لم تكن متهمة ولكنها مختارة. وعندما ذهبنا لجنيف لم نكن نلبي استدعاء من المجلس وإنما كان الأمر روتينياً حيث تحضر كل دول العالم وتقدم تقريراً عن أحوال حقوق الإنسان بها.
ويؤكد د.شهاب أن مثول مصر أمام المجلس الدولي لحقوق الإنسان هو إجراء روتيني عادي يتم مع جميع دول العالم التي يتعين عليها بلا استثناء تقديم تقرير عن حقوق الإنسان بها يستوي في ذلك الصين وإيران مع أمريكا وانجلترا.. وتتدفق المعلومات القانونية من د.شهاب بسلاسة ومنطق فيقول إن المجلس الدولي لحقوق الإنسان يعقد 3 دورات كل عام وكل دورة تضم 16 دولة وقد تم حتي الآن مناقشة 112 دولة في أحوال حقوق الإنسان حيث عقدت 7 دورات منذ تشكيل المجلس قبل عامين ونصف.. خلال فترة 30 شهراً تم الانتهاء من 112 دولة ومازالت هناك 98 دولة سيتم فحصها خلال 6 دورات قادمة.
الدورة التي سبقت مصر ضمت إيران والعراق وكازاخستان وإسرائيل.. إذن تقديم القاهرة لتقريرها عملية روتينية بحتة لا تحمل اتهاماً ولا تحقيقاً ولا مساءلة وإنما الكلمة هي "مراجعة" كما ينص التعبير الإنجليزي للآلية وهو Periodical Review.
أكد د.مفيد شهاب أن العرض المصري لحقوق الإنسان كان شاملاً وشفافاً وصريحاً وتقاطرت الوفود علي رئيس وأعضاء الوفد المصري للشكر علي شمولية التقرير والمنهج العلمي في التوصل إلي نتائجه.. صحيح أن أحوال حقوق الإنسان في مصر لم تصل بعد إلي الكمال لكن التقدم ملموس ومحسوس وهكذا إكتملت المعادلة .. استخدمنا حقنا في الرفض والقبول واستخدموا حقهم في التساؤل والاستفسار..
يحكي د.مفيد علي الاعتراضات فيقول إنهم طالبوه بإسقاط عقوبات الحبس في قوانين النشر. وكان لابد أن يصحح لهم وزيرنا المعلومة ويقول لهم إنها في قانون العقوبات وليس النشر.. الرئيس ألغي الحبس في جرائم النشر. لكن العقوبات موجودة في قانون العقوبات في 3 مواد تمس الاستقرار مثل إشاعة صحة الرئيس وكيف كان يمكن أن تؤثر علي البلد.. وقد أكد د.مفيد علي ضرورة أن يستقي المجلس المعلومات من مصادر موثوق بها ولم يستبعد تعديل بعض القوانين.
ورد د.مفيد علي المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام اللاإنسانية مؤكداً أن هناك قيوداً علي فرضها فهي لا تطبق علي حامل أو مرضع أو لمن هم دون ال 18 عاماً.. ونوه وزير الشئون القانونية إلي أن بعض الولايات الأمريكية يوافق علي الإعدام والبعض الآخر يرفض مما يؤكد أن هناك ظروفاً تختلف من مكان لمكان حول هذه العقوبة.
أكبر دليل علي أن مصر لم تكن موضع اتهام أن د.مفيد رفض كثيراً من التوصيات التي حاولوا إرغامنا علي تغييرها مثل إلغاء عقوبة الإعدام والقبول بزواج الشواذ أو المثليين وتغيير قوانين التوريث وحذف خانة الديانة منوهاً إلي أن مصر دولة إسلامية كما ينص دستورها والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع منوهاً إلي التغيير الذي قدمته وزارة الداخلية علي البهائيين وترك خانة الديانة بيضاء.
مصر وافقت علي 146 توصية من 173 توصية ورفضت 26 توصية.. العرض المصري لحقوق الإنسان كان شفافا وقويا ويملك الحجة والمنطق.. زد علي ذلك أن الروح الطيبة التي غلَّفت المناقشات كانت طيبة وبناءة.. التوصيات التي طلبها المجلس من الوفد المصري لا تخرج كثيراً عن مطالبات المصريين هنا مثل إلغاء حالة الطوارئ واستبدالها بقانون الإرهاب وتعريف معني محدد للتعذيب.. في هذه النقطة بالذات استخدم د. مفيد خلفيته كأستاذ قانون لينير الطريق الملتبس أمام المجلس الدولي بين التعذيب والسب والقذف.. فالسب والقذف يعاقب عليه القانون لكنه لا يمثل تعذيباً. ولكن التعذيب هو إجبار المتهم علي الاعتراف بالقوة أو تغيير أقواله.
وقد أكد لي د. شهاب أن وفد أمريكا تحدث باحترام عن حقوق الإنسان في مصر وأن الطريقة التي تم بها تقديم الملاحظات اتسمت بالود وليس العداء.. الملاحظة الأخري أن الدول العربية الأعضاء في المجلس الدولي لحقوق الإنسان تحدثت مشيدة بمصر لفترة طويلة وحرصت وفود الجزائر والبحرين وسلطنة عمان والسعودية والكويت وغيرها علي التسجيل المبكر لتتحدث إيجابيا عن مصر وهذا يوضح الدور العربي لمصر لمن يتحدث عن غيابه أو اننا نلعب في محيط آخر بعيدا عن العلاقات العربية العربية.
حضر الاجتماع 20 منظمة مصرية من منظمات المجتمع المدني ولم يتحدث أحد منهم أمام المجلس وكان اللافت للنظر أنهم نزلوا في فنادق فاخرة وكانت تذاكر سفرهم بالدرجة الأولي.. التقرير الذي قدمته مصر سيتم اعتماده في يونية القادم بصفة نهائية.. والجدير بالذكر أن المزايدين علي مثول مصر أمام المجلس الدولي لحقوق الإنسان فاتهم شيء مهم جداً وهو أن هذا المجلس لا يستطيع إرغام مصر علي قبول تسوية رفضتها.. فمثلا لا يمكن إرغامنا علي توصية بحماية حقوق الأقليات. فمصر ليس بها أقليات ولو كنا اعترفنا بها لثبت أن لدينا تمييزا بين الأقليات.. التقدير لمصر كان لافتا للنظر عندما وافق رئيس المجلس الدولي علي طلبنا بحذف ما ذكرته بعض الدول عن المساواة بين الرجل والمرأة في المواريث والطلاق والزواج.. لقد وافقت مصر علي عدم التمييز بين الرجل والمرأة لكنها لم توافق علي الصيغتين في صلب التقرير وهو ما دفع مندوب شيلي للاعتراض ثم عاد وعدل موقفه. وحذف رئيس المجلس الدولي لحقوق الإنسان الصياغة التي لم تعجب مصر لأنها استفزازية.. وستستمر مصر في التنسيق والتعاون مع المجلس في الفترة القادمة لأنه ليس هناك ما نخشاه.

 

| خريطة الموقع
| اتصل بنا
| بيان الخصوصية

  جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر ©