|
الأحد 17 من المحرم 1431هـ - 3 من يناير
2010 م
التعليم الصناعي .. وتطويره
لا شك أن مصر تحتاج في المرحلة القادمة تعليماً فنياً علي مستوي عال
يلبي احتياجات الأسواق من العمالة الماهرة.. وللأسف فإن كثيرين ينظرون إلي
هذا النوع من التعليم باعتباره مخصصاً للفاشلين والمنحرفين.
مصر تحتاج إلي جيل جديد من الحرفيين يمزجون بين الخبرة الحرفية والتعليم
الفني.. لكن للأسف يرفض الآباء والأمهات تحويل أبنائهم إلي هذا النوع
المميز من التعليم حتي لا يقال إن الابن أو الابنة "فشلا".. كثيرون ينظرون
إلي التعليم الصناعي باعتباره الأسوأ رغم أن هناك من الشباب من يريده ويسعي
إليه ويمتلك الموهبة للتميز فيه.
إن المجتمع يريد حرفيين مميزين مثلما يحتاج أطباء ومهندسين ومحامين ومثقفين..
لكن المشكلة أن الأهل والطلاب لا يؤمنون بأهمية تلقي التعليم الصناعي في
فصول دراسية. ويتصورون أن ذلك يمكن أن يتم في أي ورشة يذهب إليها الابن..
هذا التصور يقف عائقا بين هدفنا في تخريج جيل متعلم يستطيع الربط بين ما
يتعلمه وحاجة السوق لابتكار الأفضل.. لابد من زيادة التوعية والإدراك بقيمة
هذا التعليم في وسائل الإعلام المختلفة والصحف.
من أهم الأشياء التي يجب أن نطورها في مسألة التعليم الفني أن نسعي لتغيير
المفاهيم القائمة..
الطلاب يقولون ان التعليم المتوسط والفني مثل التعليم العالي لا مستقبل له
حيث يجلس الجميع في المنزل بعد التخرج لأن السوق ليس في حاجة لهم..
والحقيقة أن هذه الشكوي حقيقية.. خريج الصنايع يجلس في منزله مثل خريج
الحقوق والتجارة.. لماذا؟ لأن المدرسين أو "الأسطوات" في المدارس يأخذون
الطلاب إلي الورش الخاصة بهم بعيداً عن أوقات الدراسة وذلك للعمل عندهم
مقابل أجر زهيد ونظير أن يقوم المدرس بإنجاحه في الامتحانات.. وهذا شيء
مقيت أن يعمل الطالب في السخرة لصالح الأستاذ. فقد مضي نظام "المراسلة"
والخدمة في البيوت الذي كان ضباط الشرطة والجيش يطبقونه قبل الثورة. والآن
أصبحت السخرة نظير النجاح والشهادة.. لابد من تطوير نظام التعليم نفسه لأن
العيب فيه.. فهو لا يؤهل الطالب للعمل في المصانع المتطورة التي تستخدم
التكنولوجيا الحديثة.. وهو يصبح مشكلة وعبئاً علي مجال العمل.. أصحاب
المصانع امتنعوا عن استخدام العمال في مصانعهم المتطورة التي تتكلف
الملايين ولا يمكن أن يعهدوا بها إلي قليلي الخبرة والتجربة.. لا يمكن أن
تسند قيادة طائرة لمن لم يتعلم ركوب الدراجة.
لقد أصبح الصنايعي يخرب الشيء الذي من المفترض أن يصلحه ويبتكر فيه ويطوره
وذلك لأن التعليم الفني لم يطور مهاراتهم وينمي كفاءاتهم.
اننا نحتاج كفاءات هامة في سوق العمل الصناعي هذا. ولو استمر الحال علي ما
هو عليه سنجد أنفسنا بعد فترة قريبة نستورد عمالة هندية وباكستانية
وبنجلاديشية بل ربما نستورد عمالاً من افريقيا.. يجب أن نرتقي بمستوي
الحرفيين في ظل الانهيارات التي تحدث في مجتمعنا.. نريد إرساء بنية أساسية
قوية لمجتمع حرفي سليم يوفر حاجات المستهلكين ويضمن حقوقهم.. لقد انقرض
الصانع الماهر في مصر تماماً وعلينا من الآن أن نعيد استنساخه حتي نلحق
بركب التقدم.
ان المبادرة العظيمة لبرنامج مبارك - كول للتعليم الصناعي جاءت بنتائج
إيجابية في مبدأ الأمر ثم سرعان ما دخلت جب النسيان وأصبح كثيرون لا يدركون
أهمية هذه المبادرة التي كان مخططاً لها عام 1991 أن ترفع المستوي المهاري
للعامل المصري إلي ما يقارب زميله الألماني.. لكن للأسف تدهورت الأحوال.
التعليم الصناعي يحتاج إعلاناً عنه ودعماً مستمراً حتي لا يهرب منه الطلاب
وحتي لا يقول أحدهم انه ينتظر تعليق الشهادة علي الحائط.. المستقبل في
العالم كله للحرفيين. لكننا في مصر مصرون علي تجاهل هذا التعليم!
|