محمد على إبراهيم .... رئيس تحرير الجمهورية

 

السيرة الذاتية | مصر المستقبل | حكايات اسبوعية | مختصر ومفيد | حوارات صحفية | البوم الصور

السبت 16 من المحرم 1431هـ - 2 من يناير 2010 م


الجدار .. ولقمة عيش المصريين!
هل نعيد السوق السوداء والطوابير من أجل غزة؟
 

مر عام كامل علي حرب غزة وهي مدة كافية لدراسة تأثيرات هذه الحرب علي الفلسطينيين والمصريين والإسرائيليين وطبيعي أن نكتشف أن الطرف الثالث هو الأكثر استفادة من هذه الحرب.
الشواهد تؤكد أن إسرائيل لا تفكر في تسوية حقيقية ولا تسعي إلي سلام شامل ولكنها تستمريء الوضع الحالي خصوصاً أن صوت المقاومة تلاشي ولم يعد له أدني تأثير. كما أن أصوات الصواريخ التي كانت تزمجر "فقط" في الفضاء قد انتهت ولم يعد لها أدني وجود! الحرب علي غزة - في رأيي - حققت لإسرائيل أهدافها الاستراتيجية التي سعت إليها منذ فترة.. فهي حالياً ترفع مجدداً شعار غياب الشريك الفلسطيني لأنها لا تثق في "حماس" وتؤكد أن انسحاب أبومازن دليل علي ضعفه و"زهقه" من تطرف حماس ومن استكمال المصالحة. كما أنهم لايثقون فيمن يأتي بعده.. وبالتالي فالسلام توقف!
إسرائيل تراوغ في حل الدولتين وتستمر في الاستيطان رغم أنها زعمت توقفه لفترة ثم عادت له مرة أخري!
بالإضافة للإصرار علي يهودية الدولة. وهو الإجراء الذي إذا استكمل سيحول عرب 48 إلي مواطنين درجة ثالثة كما سيفتح الباب واسعاً لتيارات التطرف في العالم العربي خصوصاً إذا ما تم إقحام الديانة اليهودية علي السياسة الإسرائيلية! بمعني آخر تحويل إسرائيل إلي دولة دينية "يهودية" سيعني في المقابل مطالبة الفلسطينيين أن تكون لهم دولة "إسلامية".. ومن ثم سيكون الصراع دينياً فقط بدلاً من كونه سياسياً.
أما "حماس" ففي رأيي أنها استفادت أيضاً من حرب غزة ولكن بطريقة مختلفة عن إسرائيل. وأهم النتائج أنها قبلت المشاركة في أجندة إقليمية مع إيران ورهنت قرارها لطهران ودمشق والدوحة. وبالتالي أصبحت المصالحة الفلسطينية بغير ذي بال لديها! ارتضت حماس أن تحول مشروع المقاومة إلي مشروع تجاري تستفيد به اقتصادياً في تحسين أحوالها المعيشية كما استغله قادتها في الإثراء السريع الفاحش وتضخيم الحسابات في البنوك من خلال حفر الأنفاق وتأجيرها وخلق اقتصاد السوق السوداء.
إنها المرة الأولي في تاريخ حركات التحرير والمقاومة التي تربط فيها إحدي جماعات الكفاح المسلح نفسها بأجندة سياسية ومحاور إقليمية وأحلاف سياسية. بل إنها المرة الأولي التي ترتضي إحدي حركات التحرر أن ترهن حل قضيتها بحل قضية أخري لدولة أخري غير عربية وهي الملف النووي الإيراني! غير أن استفادة "حماس" من داعمها الرئيسي وهو إيران وسوريا جاء علي حساب الدعم العربي الذي يجب أن تحظي به في تفاوضها وعلاقتها مع الدولة العبرية.
أما مصر فهي الخاسر الأكبر من حرب غزة. فإلي جانب الهجوم الإعلامي الشرس الذي تتعرض له كل ليلة في فضائيات الجزيرة والـ بي. بي. سي وغيرهما وإلي جانب الصحف التي تتهمها بالخيانة والعمالة والتآمر علي الشعب الفلسطيني. فإنها تتضرر أيضاً اقتصادياً إلي حد بعيد من جراء السوق السوداء التي أقامتها حماس علي طول الحدود مع مصر! كانت الأنفاق الموجودة بين غزة وسيناء قبل استيلاء حماس علي السلطة لا تتجاوز 20 نفقاً. الآن أصبحت أكثر من 500 نفق يتم خلالها تهريب كل السلع المدعمة من مصر إلي الفلسطينيين.. الأنفاق كلها محفورة في منطقة لا تتعدي 4 كيلو مترات علي طول الحدود بجوار تل الزعرب والعبور.. أطول الأنفاق تتراوح ما بين 200 متر إلي كيلو متر واحد وتتكلف عملية الحفر 100 دولار للمتر الواحد إذن النفق الكبير تصل تكلفته إلي 100 ألف دولار والمعني أن الأنفاق التي زادت لتصل إلي 700 نفق بنهاية 2009 يمكن أن تصل تكلفتها إلي أكثر من 50 مليون دولار وهو ما يؤكد أنها عملية مربحة جداً للجانب الفلسطيني وللتجار علي الجانبين المصري والفلسطيني حيث يتولي المصريون بيع السلع المدعمة في مصر إلي المهربين الذين يطلقون علي أنفسهم أسماء كودية مثل "أبوحديد" و"الموس" وغيرها.. الأسماء الكودية للتجار والمهربين لها دلالة قوية علي أنشطتهم فأبوحديد متخصص في تهريب الحديد عبر الأنفاق إلي غزة! وربما لا يدرك كثيرون أن أحد أسباب ارتفاع سعر الحديد في مصر في العامين الأخيرين كان التهريب الأمر الذي أدي لتناقصه المستمر في الأسواق. وكذلك السلع الأخري.. أما "الموس" فجاءت من كونه يغافل دوريات الحراسة ويهرب أي شيء بكفاءة.
ويحق لنا أن نتساءل عن المصدر الذي تجيء منه الأموال التي يبنون بها هذه الأنفاق؟ من أين تجيء تكلفة حفر النفق التي تصل أحياناً إلي 2750 دولاراً في بعض الأنفاق! الأخطر من ذلك أن هذه الأموال لم تتدفق لتحسين الأحوال المعيشية للفلسطينيين. فالأطفال الصغار مازالوا يمدون أيديهم للتسول في الطرقات ومازال أهل غزة يقيمون في الخيام ولا يشعرون بأي دفء في أوصالهم أو جيوبهم. طالما أن جيوب الكبار متخمة جداً.
لقد أعلن كثيرون من أهل القطاع أن كثيرا من سلعهم اليومية تجيء من مصر.. خصوصاً ألبان الأطفال وزيت الطعام والبوتاجاز والبنزين.. يحدث كثيرا في القاهرة والمحافظات نقص في سلعة ما. رغم أن هذه السلعة نجدها متوفرة في غزة.. وأخيراً حدثت أزمة في أنابيب البوتاجاز في مصر مع أنها كانت متوفرة في الأنفاق وعلي الحدود.. لقد بلغت الرفاهية لسائقي الشاحنات في غزة أنهم أصبحوا يستخدمون زيت الطعام في تسيير سياراتهم.. أنواع فاخرة من زيت الطعام المصري تستخدم في السيارات الفلسطينية. لأنه أرخص من مثيله الإسرائيلي بمراحل.
إننا ندعم الفلسطينيين بكل ما نملك. لكننا لا نريد أن نقف في طوابير لنحصل علي لقمة العيش التي تباع مهربة في غزة! لن نسلم رزقنا وسلعنا المدعومة إلي مهربين.. سيجيء يوم وترتفع أسعار هذه السلع وتشح لأنها وجدت طريقها إلي من يدفع أكثر. فهل نحن مستعدون لذلك؟ ونواصل غداً.

 

| خريطة الموقع
| اتصل بنا
| بيان الخصوصية

  جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر ©