|
الاثنين 11 من المحرم 1431هـ - 28 من ديسمبر
2009م
رحلة زراعة الأعضاء بين الرفض والقبول!
نموذج جيد للاتفاق والاختلاف حول القوانين
أمس كان موعد موافقة مجلس الشوري علي مشروع قانون تنظيم نقل وزراعة
الأعضاء البشرية وهو القانون الذي استغرق وقتا طويلا في الاعداد
والمناقشة...
حسم "العقل" الموافقة علي القانون بعد أن كاد "القلب" يميل لرفضه.. نحن في
مصر نسلم عقولنا لقلوبنا إذا ثارت شبهة الحلال والحرام.. أو إذا قال أحد لا
تلعبوا في اجساد الموتي لأن لها حرمة.. وأحيانا يقولون ان الجسد والروح من
عند الله فكيف يتجرأ البشر علي تشويه أو بتر أو قطع جزء مما خلق الله..
من هنا اكتسب مشروع قانون نقل وزراعة الأعضاء حصانة إلهية فسرها البعض بعدم
جواز العبث بجثث الموتي وأرجعها آخرون إلي أن السبب هو أن الاخوان المسلمين
"بتوع ربنا" يرفضون المشروع. وبالتالي ففيه شيء من التحريم.. وكأن الاخوان
المسلمين أولياء أمور الأمة يتصرفون في مقدرات الناس ومصائرهم نيابة عنهم..
والحقيقة ان الصراع حول اقرار القانون لم يكن صراعا بين الحزب الوطني ونواب
الجماعة المحظورة في البرلمان أو بين مفهوم ديني وآخر علمي. لكن الصراع كان
بين القلب والعقل كما أشرت في بداية المقال.
لقد تعودنا في حياتنا علي الإيمان بالقضاء والقدر. ولذلك اعتمد البعض في
رفض القانون علي أن المرض ابتلاء من عند الله.. والابتلاء يعني الصبر علي
البلاء.. ومن ثم فإن مريض الفشل الكبدي أو الكلوي أو ارتشاح الرئة أو
انسداد الأوعية الدموية أو غيرها من الأمراض. عليه أن يصبر ويمتثل لأمر
الله إلي أن يقضي الله أمره وتصعد روحه إلي بارئها.
نسوا أن الرسول عليه الصلاة والسلام نصحنا بالتداوي وعرف أنه استخدم بعض
الأعشاب والوصفات لمداواة بعض الأمراض.
لقد أخذ مشروع قانون نقل وزراعة الأعضاء وقتاً طويلاً في مجلس الشوري لأن
صفوت الشريف رئيس المجلس ولجنتي الصحة والشئون الدستورية والتشريعية عكفوا
زمنا يراجعون نصوص المواد المقدمة في مشروع الحكومة.. اقتضي الأمر تعديلات
كثيرة في احيان بالإضافة واحيان أخري بالحذف مثل توثيق عقود الزواج من
أجانب وأن يمر 3 أعوام علي الأقل للتأكيد علي شرعية العقد وأن القصد منه
ليس السمسرة والاتجار في الاعضاء البشرية تحت مظلة قانونية وشرعية..
واستحدثت التعديلات نصا بجواز نقل الاعضاء بين جنسيات أجنبية بشرط الاقامة
في مصر بصفة دائمة حتي لا تتحول البلاد لمركز لممارسة تجارة زرع الاعضاء
وبيعها والتربح منها.
واسترعي انتباهي في مشروع القانون تلك التعديلات القيمة التي اضيفت مثل
تبصير الاحياء سواء الناقل أو المنقول إليه بمخاطر ومضاعفات زرع الاعضاء
وأخذ الموافقة منهما كتابة علي ذلك. كما اجازت التعديلات عدول المتبرع عن
تبرعه لأي طارئ.
كان د. حمدي زقزوق وزير الأوقاف حاضراً للمناقشات وأدلي بدلوه في مسألة
الموت اليقيني وخصوصاً أن اللجنة المشكلة لإثبات الوفاة تتشكل من أربعة
أطباء منهم طبيب شرعي ويصدر قرارها بإجماع الآراء ولايجوز لأي من اطباء
اللجنة المشاركة في عملية النقل..ولعل أهم ما أضافه تعديل القانون تكفل
الدولة بعلاج غير القادرين الذين إذا كانت حياتهم مرهونة بعملية زرع عضو
لهم. فإن هذا يتيسر من خلال إسهام الحكومة بكافة النفقات وتقتصر عملية زرع
الأعضاء في هذه الحالة علي النقل من ميت إلي حي..
القانون يشمل عقوبات رادعة علي من يخالف نصوصه من الأطباء تصل للإعدام أو
السجن المؤبد.. كما استرعي انتباهي أن اللجنة وهي تضع تعديلاتها اهتمت
بالمصطلحات الحديثة وتطرقت إلي الأنسجة البشرية أو الخلايا البشرية وهي في
ذلك احتاطت لما يمكن أن يسفر عنه تطور العلم لاحقا في استخدام الخلايا
الجذعية في تحسين هيئة المريض أو تصغير عمره أو اكسابه بعض القوة. وهو ما
يخرج بالقانون عن فحواه ومغزاه وهو انقاذ الحياة التي يتهددها الخطر.
.. وبعد .. فإن ما سبق يؤكد اننا نستطيع بالعقل الوصول إلي الاقناع.. العقل
يمكن أن يهدي القلب إلي سواء السبيل.. لقد كرم الله الإنسان بالعقل وذكر
"أولي الألباب" في أكثر من موضع في كتابه العزيز.. هذا القانون أثبت أن
كثيراً من الأمور في مصر فشلت لأننا تواكلنا وأهملنا وتدروشنا.. قلنا مقدر
ومكتوب.. لم نحاول إعمال العقل بما يرضي القلب.. الله سبحانه وتعالي اهتدي
إليه الأولون بالعقل وليس بالقلب.. من يقرأ سلطان العاشقين ابن الفارض في
"حي بن يقظان" يتأكد أن الله خاطب عقل الإنسان.. لكن الإنسان عندما تطور
وتقدم واهتدي للتكنولوجيا والاختراعات الحديثة فقد عقله.. وضعه علي الرف..
سار وراء الدروشة والخزعبلات.. صدق من يقولون انهم أولياء الله والقائمون
علي أمر المسلمين ونسي عقله الذي منحه الله له ليميزه عن بقية المخلوقات..
والحمد لله أن الإنسان اهتدي بعقله أخيراً لما فيه صالحه ومنفعته.
|