|
الاثنين 4 من المحرم 1431هـ - 21 من ديسمبر
2009م
الرئيس .. وحصانة القضاة
شموخ أصحاب المقام الرفيع .. وعدالة الأحكام
لا توجد دولة في المنطقة أقدم من مصر في القضاء.. هي أول من عرف المحاكم
باسم المجالس الأهلية عام 1875 وبذلك تم مرور 125 عاماً علي بدء التقاضي في
مصر.. قرن وربع من تاريخ السلطة التشريعية تزهو بها مصر علي كثير من دول
العالم.. وكما يقول الشاعر محمود حسن إسماعيل عن المصري "كانت الدنيا ظلاما
حوله.. وهو يهدي بخطاه الحائرين"! دولة بطول الزمان تعرف قيمة الذي يحكم
بين الناس بالعدل.. القاضي وقره القرآن الكريم وخاطبه مباشرة ولعلها إحدي
المهن القليلة التي جاء ذكرها في كتاب الله الكريم.
والرئيس مبارك عندما ذهب أمس إلي دار القضاء العالي وخطب في شيوخه الأجلاء
ومجلسهم الأعلي كان يعيد التأكيد علي أحد أهم أركان حكمه وهو حصانة القضاء.
القضاء في عصر مبارك حصل علي مكتسبات ضخمة عينية أو مادية.. وضعه الرئيس في
مكان مميز كإحدي ركائز وأركان الحكم في عصره.
حرص الرئيس منذ بداية السنوات الأولي لحكمه علي إعادة المجلس الأعلي للقضاء
عام 1984 بعد غياب 15 عاماً.. الرئيس عبدالناصر أطاح بالقضاة في المذبحة
الشهيرة المعروفة باسم مذبحة القضاء وكانت هذه الإطاحة علامة بارزة علي أن
نظام الحكم الناصري لا يلتفت إلي العدالة التشريعية لأنه رأي أن التشريع
مصدره عبدالناصر فقط.
الرئيس السادات انشغل بحرب تحرير سيناء وتوقيع اتفاقية السلام والنقد
الشديد الذي أعقبها. فلما اغتيل وتولي الرئيس مبارك كان همه الأول إعادة
الأمور إلي نصابها وكان القضاء في مقدمة اهتماماته.
إن المتأمل لتعامل مبارك مع السلطة التشريعية يدرك أن الرئيس ينظر إلي هذه
السلطة ليس باعتبارها إحدي سلطات الدستور وأحد أركان الحكم الرشيد. ولكنه
ينظر إليها باعتبارها سلطة "محصنة" ضد أي اختراق حتي لو من أعلي سلطة
سياسية في هذا البلد.
الرئيس مبارك أقدم في عام 1984 علي خطوة في منتهي الإيجابية وهي أنه قصر
تشكيل المجلس الأعلي للقضاء علي شيوخ المهنة دون أن تشاركهم سلطة أخري كما
كان المتبع أيام عبدالناصر حيث كان المجلس يضم أعضاء في اللجنة التنفيذية
العليا للاتحاد الاشتراكي وشخصيات عامة.. لذلك عندما اعاده الرئيس مبارك
حرص علي تنقيته من كل الشوائب ليخرج طاهراً من أي ارتباط آخر بغير أصحاب
المقام الرفيع.
سيذكر التاريخ للرئيس مبارك أنه كان الداعم الأول. للسلطة القضائية.. نأي
به عن أي تدخل أو واسطة.. قال إن القضاة أمرهم بينهم وينبغي أن يستمر
هكذا.. عدم التدخل في عمل القاضي هو الذي أعطاه حصانة ورفعة ومكانة وسمواً
بين طبقات المجتمع..
لقد تعززت سلطة القضاء بمنحه المزيد من الامتيازات وكل امتياز اضافي يعد
مناعة جديدة للقاضي.. ولعل آخر هذه الحصانات تعديل قانون السلطة القضائية
الأمر الذي جعل رأيه إلزاميا وليس استشارياً..
حصانة القضاء امتدت للنيابة العامة التي تمثل شعبة أصيلة من السلطة
القضائية. ولعل القواعد التي سرت فيها بعدم جواز عزل النائب العام ومساواته
في ذلك بالقضاة لأنه الأمين علي الدعوي العمومية نيابة عن الشعب خير دليل..
كما أن النائب العام في مصر هو الوحيد الذي يتمتع بهذه الميزة في كثير من
الدول المتقدمة.
ان أهم ما جاء في خطاب الرئيس مبارك كان استقلال القضاء وحصانته من دعائم
وأركان الحكم في مصر لأنه يكفل الحق لجميع المواطنين في التقاضي.
لقد كانت أبلغ رسالة من الرئيس للقضاة أمس أن ينأوا بأنفسهم ومكانتهم
ورصانتهم عن الانحيازات العقائدية أو السياسية أو المصالح الضيقة لأفراد أو
جماعات أو الدخول في بؤرة الاهتمام الاعلامي.. أو مجال للتنابذ في الرأي أو
الاختلاف في الأسلوب..
وفي النهاية تبقي الحقيقة الدامغة وهي ان القضاء حصن الوطن وصمام الأمن
للفقير قبل الغني وللضعيف قبل القوي.. يأتمنه الجميع علي الأنفس والأعراض
والأموال.. وبالتالي فإنها السلطة الوحيدة التي تحظي بحصانتها من الشعب
والحاكم والقانون.. حصانة ثلاثية تستحق أن نرفع لها القبعة تحية وإجلالا
وإكباراً.
|