محمد على إبراهيم .... رئيس تحرير الجمهورية

 

السيرة الذاتية | مصر المستقبل | حكايات اسبوعية | مختصر ومفيد | حوارات صحفية | البوم الصور

السبت 2 من المحرم 1431هـ - 19 من ديسمبر 2009م


لا أعيش زماني!
 

أقسي شيء علي الإنسان هو الشعور بأنك تعيش في عالم ليس عالمك.. ويزيد هذا الشعور عند من يحترفون الكتابة.. فالبعض يأخذها وجاهة.. وآخرون يقيسون شهرتهم علي مقدار انتشارهم.. مضي الزمن الذي يرتبط فيه الكاتب بصحيفة ويرتبط به القراء في صحيفة ما.. محمد العزبي كاتب العمود الرائع هو آخر ما تبقي من الزمن الجميل.. مصطفي أمين بالأخبار ومصطفي شردي بالوفد وصلاح حافظ روزاليوسف وحسن فؤاد صباح الخير ومثله لويس جريس ورءوف توفيق.. أسماء اشتهرت وهي تكتب عموداً واحداً في صحيفة أو مجلة واحدة.. لماذا؟ ببساطة لأن الناس كانت تقرأ. وكان كل واحد منهم يقدم صنفاً مختلفاً عن الآخر.. كانت الصحافة بوفيهاً مفتوحاً تتناول منه ما تشاء.. منذ كان عمري 20 عاماً استفدت - مثلاً - من أحمد بهاء الدين علي عكس هيكل.. وضحكت مع السعدني.. وتأملت مع زكي نجيب محمود الذي قدم أصعب دروس الفلسفة في بساطة يفهمها بائع الفول.. الآن الجميع يكتبون.. إما لإثبات الوجود أو لواجب يومي عليه أن يقوم به أو غير ذلك.
الناس الآن فقدت التمييز.. نجوم الإعلام في التليفزيون وليس في الصحافة.. الكلمة المكتوبة فقدت لمعانها وعمقها ورسالتها عندما أصبحت "أكل عيش".. زماني كان فيه أسطوات في كل شيء.. في الصحافة والأدب والفن والطرب والتمثيل والإخراج.. و"الأسطوات" في أي صنعة يدربون "صبيانهم".. يكتشفون الجواهر ويصقلونها.. كان هناك تعبير جميل في الزمان البديع عن الصحفي الصاعد الواعد.. "الأسطوات" موسي صبري وصلاح حافظ وإبراهيم نوار والقدير الراحل مصطفي أمين كانوا يختارون ويعلمون من "ينتقونه".. الآن راح هذا كله.
حتي في الغناء أين كلمات الراحلين مرسي جميل عزيز وحسين السيد وعبدالرحيم منصور.. الموسيقار عبدالوهاب كان يقول إن كلام الأغنية يجيء إليه "متلحن جاهز".
وجود عبدالحليم حافظ لم يمنع ظهور محرم فؤاد ومحمد رشدي وقنديل وكارم محمود وعبدالمطلب وماهر العطار والتلباني.. وغيرهم.. بالعربي الفصيح القماشة كانت واسعة والبعض فصل منها حُلة جميلة وآخرون اكتفوا ببنطلون أو بلوفر أو جاكت وكل له استخدام ومنفعة!
وعفواً مع احترامي لكل زملائنا في الصحف القومية والخاصة فليس هناك من أصبح له بصمة أو "جمهور".. لا يوجد كاتب يشتري القراء الصحيفة لقراءة عموده إلا أنيس منصور.. ورغم انتشار الفضائيات بنجومها واستفزازاتهم وحواراتهم إلا أنني مازلت أسيراً لصوت جلال معوض وصلاح زكي في الإذاعة وأحمد سمير في قراءة نشرة أخبار التليفزيون.. مازال لليلي رستم وأماني ناشد وسلوي حجازي الأفضلية في عقلي الباطن.
ولأني واقعي فأنا أعترف أن لكل زمن مفرداته وأدواته.. والكلمة والخبر ليسا من مفردات هذا الزمن مهما تعددت الجوائز الصحفية والأدبية.. بصراحة شديدة نحن في زمن تقلصت فيه مساحة الإبداع وأجدبت قرائح الشعراء.. لقد احتفي كثيرون بقصيدة فاروق جويدة الأخيرة التي ينعي فيها حال بلدنا.. وهي في رأيي مقال نقدي مسجوع فالبحور فيها وقوافيها ليست في مستوي إبداعه الأول.. لكن الذي يقرأ الآن لا يستطيع أن ينقد.. يهمه أن ينقد شاعر كبير البلد والدولة ولا يهمه إن كان قد راعي القواعد الشعرية والبحور والقوافي.. لا يهم.. لا أحد يحفظ الشعر لأن الحب مات.. والعاطفة أصبحت جنساً.. والعبادة أصبحت للمال والثراء.. والإخلاص للمنصب وليس للعمل.. هذا والله ليس زماني ولن يكون.
أصدقكم القول أنا أشعر بغربة شديدة وأنا أعيش متنقلاً بين شاشات لفضائيات وأقلام لكتاب فلا أجد إلا أجندات أو تقسيمات مع الدولة أو ضد الدولة.. القومي خائن والخاص وطني.. هكذا أصبحت الصحافة والانتماءات وغير ذلك.. المجتمع انقسم في كل شيء.. زمان كنا منقسمين في أهلي وزمالك فقط.. الآن في كل شيء.. فقراء وأغنياء.. موظفون ورجال أعمال.. كوادر خاصة وأجور عادية.. عشوائيات وكومبوندات.. مرسيدس ونقل عام.
ورغم هذا الانقسام فهناك مناطق توحدنا فيها علي السواء.. الغناء نشاز إلا قليلاً.. الصحافة لا تبحث عن الحقيقة سوي حالات محدودة.. القراءة لا يلجأ إليها إلا أصحاب المعاشات.. التسلية كوب شاي علي مقهي.. الترفيه كيلو لحمة.
ورغم ذلك فأنا أحياناً أشعر بالأمل.. عندما أجد شاباً من كل خمسة آلاف يريد النجاح بدون واسطة.. وعندما أجد أسرة من محدودي الدخل لها أبناء مهندسون وأطباء.. أتمني أن يعود زمني.. الزمن الذي كان فيه التعليم كالماء والهواء فأصبحت كرة القدم والسينما والمخدرات هي مانشيتات الصحف.
وتسألني هل أشعر بغربة في هذا الزمان ؟ فأقول لك نعم ! وتسألني متي تتحسن حالتي ؟ فأقول عندما استمع إلي الإذاعة وأسرح في الماضي الجميل.. وعندما أجد مفكراً يتكلم عن ثراءپالعقول وليس تضخم الجيوب.
علي أية حال أتمني أن يعود زماني ليستمتع به الجيل القادم لأنهم سيعرفون ساعتها أنهم كانوا يعيشون وهماً وليس زمناً.. أتمني أن تعود مصر الجميلة التي عرفتها في الخمسينات والستينات.

 

| خريطة الموقع
| اتصل بنا
| بيان الخصوصية

  جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر ©