|
الثلاثاء 21 من ذى الحجة 1430هـ - 8 من
ديسمبر 2009م
نقابة الصحفيين لمن؟!
النقابي القومي أم السياسي الطموح؟
لم تكن نتيجة انتخابات نقيب الصحفيين التي انتهت جولتها الأولي مساء أمس
الأول مفاجأة لي.. كنت علي يقين أن الزميل ضياء رشوان سيحرز أصواتا عديدة
في مواجهة النقيب الحالي الاستاذ مكرم محمد أحمد الذي يدخل أمامه جولة
إعادة الأحد القادم لأول مرة في كل المرات التي فاز بها بمنصب النقيب من
قبل.
وقبل أن أشرح الأسباب يهمني أولا التأكيد علي أن مكرم ليس في حاجة لكلامي
فهو الوحيد الذي تستطيع أن تطلق عليه بحق لقب "أستاذ" في زمن ركب فيه
المهنة أفاقون ومخادعون وأصحاب أجندات وبقي هو كما نعرفه.. مجرد صحفي..
تاريخه يطاول ارتفاع مبني النقابة الذي كان هو بالمناسبة من وقع عقد إنشائه
وسعي لدي القوات المسلحة لبنائه وتدخل لدي "المقاولين العرب" لمعالجة مشاكل
المياه الجوفية ثم أكمله الأستاذ إبراهيم نافع.. مواقف مكرم مع الزملاء
المفصولين من صحفهم معروفة وحرصه علي توفير خدمات لهم ورفع شأنهم لاجدال
حوله.. لكن علينا أن نعترف بشيء هام وهو أن التاريخ لم يعد يحظي بالاحترام
اللائق. ليس في أوساط الصحفيين فقط ولكن في أوساط مهنية كثيرة.
فالأطباء والمهندسون والمحامون الشبان ينظرون لأساتذتهم علي انهم "ماض"
وليس تاريخا.. وبين اللفظين اختلاف كبير في المعني.. ومع ذلك مازلت أصر علي
أن الصحفي ينبغي أن تحكمه معايير أخري غير التي ينظر بها أقرانه في
النقابات الأخري لمرشحيهم.
فقد تربينا كصحفيين علي مبدأ هام اعتقد انه بدأ يزوي ويختفي وهو أن
"النقابة للخدمات والسياسة للأحزاب".. لكن الذي حدث أن السياسة انتصرت علي
المهنية في نقابة الصحفيين بدعوي انها نقابة رأي وحرية تعبير!.. ومن ثم
سيطرت تيارات سياسية متعددة علي النقابة وأصبح الشاغل الأكبر لهم هو إثبات
الوجود والانتصار علي أي نقيب "قومي" يقدم خدمات لزملائه.
وللأسف فقد سعي البعض إلي إساءة تفسير كلمة "قومي" وفسروها عن خطأ متعمد ب
"الحكومي".. والتفسير الخاطئ سببه ان السياسة أصبحت السائدة في الشارع فليس
هناك فصل بين الحزب والنقابة.. حتي الشعار الذي رفعه المؤيدون للزميل ضياء
رشوان كان يعكس حالة سياسية وليست نقابية.. وبعد أن ظهرت النتيجة هتف مؤيدو
رشوان "يحيا سلم النقابة" وظهر واضحا الخلط المتعمد بين السياسة والنقابة..
فالسلم والمعتصمون عليه من كل فئات الشعب لا يمتون لنقابة الصحفيين بصلة..
والسلم الذي يقود إلي داخل نقابة رأي وفكر أصبح هو المكان الذي يتجمع عليه
وحوله المعارضون للدولة والحكومة.. وصدقوني لا أعرف ما الصلة بين السلم
والخدمات النقابية؟!
ربما يكون بعض أعضاء النقابة لا تهمهم الخدمات التي يقدمها النقابي ويصفونه
بأنه حكومي لأنه يحصل علي الخدمات من الدولة! من ثم فهم يريدون نقيباً يخدم
أهدافاً سياسية في المقام الأول.
أن الزميل ضياء باحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية واتجاهه السياسي
معروف وربما تأثر به بعض شباب الصحفيين من الذين استقطبوا إلي المسميات
الجديدة في المهنة مثل الصحفيين الأحرار أو تيار الاستقلال.. ومع احترامي
لمن يرفعون هذه الشعارت فإن النقابة في عهد مكرم محمد أحمد وإبراهيم نافع
وكامل زهيري لم تكن تحت الاحتلال وتم تحريرها بأيدي اليسار والإخوان وكفاية
"ضيوف السلم" الدائمين.. النقابة ليست السلم ولن تكون. ولا أعتقد أن الزميل
ضياء سعيد بهتافات مؤيديه التي تحترم السلم أكثر مما تحترم النقابة.
لاشك ان ضياء له طموحه السياسي الذي نستشفه من مداخلاته الكثيرة علي قناة
الجزيرة الفضائية ومن استضافته في القضايا ذات البعد القومي مثل اجتياح
منفذ رفح وخلية حزب الله الارهابية والتشكيك في سيادة مصر علي سيناء ولا
أحد يستطيع ان ينكر عليه تبنيه لآراء معتدلة أو متشددة أو لجوءه لأسلوب
الغاية تبرر الوسيلة فتجده يتحالف مع الاخوان واليسار والشيوعيين في منطق
غريب لا تعرفه القواعد السياسية في أي بلد بالعالم حتي في فرنسا التي درس
فيها ضياء 12 عاماً لنيل درجة علمية ومع ذلك فمازلت اعتقد ان طموح ضياء
السياسي يمكن ان يجد متنفساً جيداً في الأحزاب السياسية وسيبرز له دور هام
مستقبلاً. لكن نقابة الصحفيين ينبغي ان تنأي بصحفييها عن هذا الخلط المخل
بين السياسة والمهنة. حيث تجمع التيارات السياسية المتعارضة أيدولوجيا علي
الوقوف حول مرشح واحد يطلقون عليه مرشح "المعارضة".. وهو أيضا لفظ غريب مثل
تيار الاستقلال.
فالمفروض أن انتخابات النقابة تدور حول أفضل البرامج والخدمات التي سيقدمها
كل مرشح لزملائه الصحفيين وبالتالي فليس هناك معارضة وحكومة.. هناك برنامج
واقعي وبرنامج مثالي! هناك نقيب قادر علي الوفاء بما وعد وجربناه.. وبرنامج
دعائي يعتمد علي شعارات سياسية أكثر مما يعتمد علي قدره وجسور ممتدة مع
الجهات التي ستنفذه! مرة أخري أؤكد أن كلمة "معارضة" أو "استقلال" أو
"تغيير" ليس مكانها النقابات ولكن الأحزاب..
إنني أربأ بالزميل ضياء أن ينسب أصواته إلي سلم النقابة الذي ارتبط في
الأذهان بالفوضي وميكرفون عبدالقدوس واستضافة أي ناشطين سياسيين أو مضربين
للتعبير عن احتجاجاتهم في النقابة وكأنها تم تأجيرها كبوق للغرباء. بينما
ابناء المهنة يلهثون وراء مرتبات وأجور يتحصنون بها من غوائل الزمن وخدمات
صحية وإسكان وغير ذلك.. إنني سأدعو للتغيير عندما أجد برنامجا أفضل من
برنامج مكرم محمد أحمد وعندما أجد شخصاً أقدر منه علي تنفيذ وعوده بتحسين
دخول الصحفيين أو زميلا يقدم لي مافشل فيه.. لاأريد أن أكرر تجربة 4 أعوام
لم نحصل فيها إلا علي النزر اليسير.. وحتي أجد هذا الزميل سيظل صوتي
للنقابة.وليس للإعلام والفضائيات والإثارة والتهييج الصحفي.
سأختار نقيبا يحمي النقابة من ان تفرض عليها الحراسة أو تدخل في دوامة
التجميد أو تواجه بتعنت وزير مالية يتصور ان الصحفيين عليهم أن يدفعوا بدلا
من أن يأخذوا!! إذا وجدت هذا النقيب سأنتخبه فورا.. لكني الآن مع مكرم..
الأستاذ والزميل.. الرجل الذي يحترم الاختلاف ويسعي لعلاج المرضي ويطرق
الأبواب بدأب وإصرار لنحصل علي حقوقنا.. ويكفي اننا جميعا نخجل منه إذا
توسط لحل مشكلة ولا اعتقد ان هناك من يرفض له وساطة أو رجاء.
|