محمد على إبراهيم .... رئيس تحرير الجمهورية

 

السيرة الذاتية | مصر المستقبل | حكايات اسبوعية | مختصر ومفيد | حوارات صحفية | البوم الصور

الثلاثاء 14 من ذى الحجة 1430هـ - 1 من ديسمبر 2009م


مصر .. وأزمة دبي "1"
هل نحن بعيدون عن أزمة عنيفة؟!
 

تعاني دبي حالياً من أزمة مالية عنيفة تكاد تعتصرها وتلغي وجودها.. هذه الإمارة الذهبية التي اعتدنا أن نري كل ما فيها يلمع تعاني من عجز شديد عن سداد 80 مليار دولار.
في فترة ما كانت دبي مطمع ومطمح كل عربي في وطننا الكبير.. أحلام الشباب كانت العمل في هذا الميناء الذي لا يملك بترولاً أو غازاً مثل الإمارة المجاورة له "أبوظبي" ولكنه يملك استثمارات وموارد بشرية وشركات عقارية وأسواق مال جعلته قبلة الجميع.. النساء كن أيضا يسعين لهذه الإمارة الصغيرة لشراء أحدث خطوط الموضة والاكسسوارات والمشغولات الذهبية.. باختصار "دبي" كانت الحلم.. ولم يعد هذا الحلم قاصراً علي العرب فقط ولكنه انتقل إلي الآسيويين الذين أصبحوا علي أتم الاستعداد ليدفعوا أي مبلغ يطلب منهم للسفر والعمل في "جنة الخليج".. لكن الانهيار المفاجئ والتدهور السريع الذي حدث لهذه الإمارة اعتباراً من الأسبوع الماضي ألقي ظلالاً من الشك والحيرة علي اقتصاد المنطقة كلها. وليس دبي فقط.
لقد بنت دبي سمعتها المالية علي أشياء ثلاثة الأول: البورصة والثاني: الشركات العقارية الكبري والثالث: الاستثمارات الخارجية.. والأنشطة التجارية الثلاثة بينها ارتباط وثيق.. فالبورصة تزدهر بعدد الأسهم المطروحة فيها والشركات العقارية تكتسب سمعتها من قوة السهم في البورصة أما الاستثمارات سواء المحلية أو الخارجية فتعتمد في المقام الأول علي عدد أسهم المستثمرين في البورصة وكلما زادت الأسهم وارتفعت قيمتها اكتسبت الشركة مكانتها وسمعتها.
من ثم فالاقتصاد الذي اعتمدت عليه "دبي" هو اقتصاد المغامرة والتوسع الاقتصادي والتجاري بالإضافة إلي أن الانفاق الهائل علي المشاريع التحديثية والتوسعية بدون وجود أصول تغطي الانفاق الرهيب ولا موارد دائمة.. وكما يقول الاقتصاديون إن الاستثمار في اقتصاد بلا أصول أو موارد يعني النهاية.
ليس سراً أن "دبي" لها ميزانية منفصلة عن دولة الإمارات العربية المتحدة التي تعد ثالث أكبر دولة في العالم من حيث إنتاج البترول.. وبالتالي فإن اقتصاد الإمارات هو اقتصاد دولة تعتمد علي البترول الذي تنتج أبوظبي 90% منه. أما دبي فإمارة لا تملك سوي البورصة والتجارة والسياحة وكلها لا تشكل "أصول" في العرف الاقتصادي. وهي أقرب إلي اقتصاد "الترانزيت" الذي لا يرتكز علي ثوابت وأصول.
ولأن عمل البورصات في العالم كله مرتبط ببعضه فإذا تداعت البورصة في طوكيو تتأثر بقية البورصات في العالم كله. لذا فإن انهيار البورصة في دبي والذي يمثل كارثة بكل المقاييس أثر علي البورصة في مصر وبالذات صغار المودعين.
دائماً البورصة في مصر معرضة للارتفاع والانخفاض. لكن عندما تنخفض 8% في يوم واحد في ثاني أكبر هبوط في تاريخها بعد الاثنين الأسود. فإن الأمر لا يمكن السكوت عنه أو عليه.. المشكلة الأكبر التي تواجه "دبي" أنها رفضت الاعتراف بالأزمة في بدايتها.. كابرت واستكبرت وقالت إن اقتصادها قوي وأنها مسيطرة علي الأزمة.. وهذا ما أعلنه الشيخ محمد بن راشد المكتوم حاكم دبي عندما وصل إلي لندن الأسبوع الماضي. وانساق وراء هذا التفاؤل جوردون براون رئيس وزراء بريطانيا وأعلن بعد لقائه بالشيخ محمد أن دبي قادرة علي تجاوز الأزمة.. ثم فجأة حدث الانهيار.
جزء كبير من الأزمة سببه عدم وجود شفافية.. الجزء الأهم هو المكابرة والإصرار علي مداراة العيوب. كما لو كان هناك حرج من الاعتراف بأزمة خطيرة مثل تلك.
الأمل في إنقاذ دبي مما هي فيه هو تحرك سريع من أبوظبي جارتها وشقيقتها وأن تنظر إلي الأمر باعتباره أزمة حقيقية وليس تنافساً بين إمارتين.. أتوقع أن يبادر الشيخ خليفة بن زايد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بتدخل عاجل لإنقاذ شقيقه الشيخ محمد بن راشد قبل أن تتفاقم الأمور خصوصاً وأن دبي في أمس الحاجة حالياً إلي سيولة تنقذها مما هي فيه.
إن القاهرة وهي تنظر بقلق إلي تدهور بورصة دبي وتأثيرها السلبي علي البورصة المصرية مطمئنة إلي أن الاقتصاد المصري متنوع وآمن وله احتياطي من العملات الحرة وموارده مستمرة مثل قناة السويس والبترول والسياحة والصادرات السلعية والزراعية.. والأهم من ذلك أن مصر لا تهوي المغامرات ولا الشطحات ولا المشروعات الاستعراضية الترفيهية أو الكمالية.. إن "الحرص" الذي يميز الاقتصاد المصري والذي رآه البعض تراجعاً واعتقد آخرون أنه تردد يثبت يوماً بعد آخر أنه الاتجاه الصحيح الذي اختارته مصر وما كان لها أن تختار غيره.

 

| خريطة الموقع
| اتصل بنا
| بيان الخصوصية

  جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر ©