محمد على إبراهيم .... رئيس تحرير الجمهورية

 

السيرة الذاتية | مصر المستقبل | حكايات اسبوعية | مختصر ومفيد | حوارات صحفية | البوم الصور

الاربعاء 8 من ذى الحجة 1430هـ - 25 من نوفمبر 2009م


"ثقوب" الحكومة.. ومفاتنها!
 

ترتدي الحكومة أثواباً متعددة.. منها الضيق المجسم وبعضها واسع مترهل وقليلها عاري الصدر والظهر.. ومهما اختلفت أثواب الحكومة وموديلات الفساتين. لكن يظل لكل ثوب منطقتان تستقطبان الاهتمام. وإن شئنا الدقة فهما ثقبان أحدهما للعامة والآخر للخاصة.
والمعني أن أثواب الحكومة سواء كانت كلاسيكية أو كاجوال أو سموكنج لابد أن يكون فيها "الثقبان" الأول يري منه الجميع العيوب التي تكتب عنها الصحف بلا استثناء. وهو ثقب يتسع يوماً بعد يوم.. جاوز الخرم وتخطي الرقعة وأصبح "قطعاً" كبيراً في قماش الحكومة ووزرائها.. هذا الثقب يراه الجميع.. الصحفيون ونواب الشعب وصحف المعارضة وميلشيات رجال الأعمال التي تدين لهم بالولاء وتعمل تحت لوائهم.
الثقب الأول لا يشغل بال الحكومة ولا تسعي إلي إصلاحه أو "رفيه" عند الصنايعية الذين يجيدون هذا الفن وإن كانوا قد انقرضوا..! هذا الثقب تري منه فشل الحكومة في جمع القمامة وعجزها عن التصدي للفساد في إداراتها أو تقليل بياناتها المتضاربة أو تصريحاتها المتناقضة.. أحياناً أتصور أن الحكومة تتعمد إبقاء الثقب الأول بدون إصلاح حتي تخفي "مفاتنها" وجمالها للمحظوظين الذين تفتح لهم الثقب الثاني بكل ما فيه من معلومات وإعلانات وسفريات وسأعرض له لاحقاً.
تترك الحكومة الثقب الأول مفتوحاً علي مصراعيه للذين يريدون انتقاد تقاعسها عن تقليل العجز في الموازنة وتصحيح ميزان المدفوعات وفشلها في استيراد قمح صالح للاستهلاك الآدمي وإنصاف الفلاح المصري بتقديم أسعار جيدة لمحاصيله والسماح بتصدير الأرز بعد ارتفاع سعره وتحسين الخدمات والمرافق وتطوير شبكات المياه والصرف الصحي بعد أن تدهورت بشدة وتحسين الخدمة بالمستشفيات وغير ذلك من العيوب التي يقرأها الناس في الصحف القومية والمعارضة والخاصة منذ مجيء الحكومة وحتي الآن وكل يوم تضاف مساحة أخري للخرم.
هذا الثقب لا يهم الحكومة في شيء فالناس جميعاً تراه والكلام فيه قديم أو قديم "متجدد" ولا بأس من ان ينشغل الرأي العام به لتتحول أنظاره عن الثقب الثاني الذي يتسع أيضاً مثل الثقب الأول. لكنه يختلف عنه في شيء أساسي وهو أنه ليس متاحاً للجميع وأنه ثقب يبرز المفاتن والمحاسن ولا يقتصر علي السيئات التي يعرفها الجميع.
الثقب الثاني تظهره الحكومة لأصدقائها ومحاسيبها.. وهؤلاء يبدون في الظاهر أنهم معارضون للدولة بينما هم في حقيقة الأمر ينامون مع الحكومة في مخدع واحد يتقاسمون معها اللقمة الحلوة والضحكة وسفريات الاستجمام!!
الثقب الثاني الذي أتحدث عنه موجود في معظم وزارات مصر.. والحكومة مثل لاعب البوكر الماهر يعرض أوراقاً علي المنضدة ينخدع بها اللاعبون أمامه. لكنه يخفي "الآس البستوني" في كمه ولا يراه إلا الفتاة الجميلة الواقفة خلفه والتي غالباً ما تكون فألاً حسناً بالنسبة له ويعطيها جزءاً من أرباحه بعد أن يغادر "ترابيزة" القمار وأحياناً يصحبها معه لسهرة خاصة.
الثقب الثاني في الحكومة هو الذي تتسرب منه مشروعات القوانين الهامة قبل وصولها للجنة التشريعية أو عرضها علي مجلس الوزراء أو مجلسي الشعب والشوري.. التسريبات من الثقب الثاني تصل للصحف الخاصة فقط وإلي صحيفتين بالتحديد تري الحكومة أنهما شركاء معها في التنمية والفكر الليبرالي واقتصاد السوق.
الصحف الخاصة أطلقت علي حكومة د. نظيف حكومة رجال الأعمال.. وبدلا من ان تنفي الحكومة ذلك أكدته واعتمدته وصارت تتعامل مع صحف رجال الأعمال من منطلق الصداقة أو الجيرة في السكن أو الكفاح المشترك في تجارة البيزنس وهو الكفاح الذي انتقل بالبعض إلي مناصب وزارية وقبع آخرون في أماكنهم قانعين بإصدار صحف بعضها له أجندة خارجية واضحة وبعضها الآخر يدافع عن مصالح "لوبي" قوي من رجال الأعمال له صلات وشيجة مع الحكومة ويتبادل المنافع معها.
من ثم ولأن معظم الوزراء المؤثرين في حكومة د.نظيف يرون ان الصحافة الخاصة تعبر عن أفكارهم الليبرالية وتتفهم رؤيتهم النيرة التي يسبقون بها العصر. فيتم تسريب القوانين والمشروعات والإصلاحات إلي الصحافة الخاصة لتقوم بنشرها وتكتسب مصداقية لدي الرأي العام.
لا يقول لي أحد انها شطارة صحفية. فعندما تظهر جريدة خاصة بها النقاط الرئيسية التي سيتحدث عنها رئيس الجمهورية في خطابه أمام مجلسي الشعب والشوري وبالمواعيد التي ستطبق فيها زيادات المعاشات وقيمتها والعمالة الموسمية وذلك قبل الخطاب بخمسة أيام فإن الحكاية لا تخرج عن كونها "تسريبا" من مكتب الوزير المختص أو مكتب رئيس الوزراء الذي يضع الخطة الإصلاحية لتحسين دخول الفقراء أو من اللجنة التشريعية التي تدرس هذه القوانين قبل طرحها.
لقد كان وزير النقل المستقيل ضيفا دائما علي صحافة خاصة وسلم نفسه لمن ابتزوه وحصلوا منه علي ميزانيات ضخمة نظير أخبار نشرت في كل الصحف. لكنهم أفهموه ان نشرها في الصحف الخاصة يكسبها رونقا ويعطيه مصداقية وظلوا وراءه حتي خرج غير مأسوف عليه وقد يلحقه آخرون.
التعديلات الدستورية تسربت للصحافة الخاصة قبل 3 أيام من نشرها في شهر مارس ..2007 ثم الاستفتاء عليها واعتمادها في مايو ...2007 قوانين التأمين الصحي والضرائب العقارية والتأمينات وغيرها تتسرب باستمرار من "الثقب" المحبوب إلي حبايب الوزراء الذين أصبحوا ضيوفا دائمين علي هذه الصحافة بل ان بعض الزملاء بها يعملون مستشارين لوزراء مهمين.
ربما تكون حوارات الوزراء للصحافة الخاصة عملا مهنيا راقيا. بشرط ألا يكون هؤلاء الوزراء أعضاء في الحزب الوطني الذي تشتمه وتسب قياداته الصحافة الخاصة ليل نهار.
غير ان هذا لا يمنع ان الزملاء بالصحف الخاصة يبذلون جهدا ويحققون سبقا صحفيا في بعض المجالات. لكن الذي اتحدث عنه هنا هو التسريب المتعمد لمشروعات القوانين الحكومية وهي مازالت في الأدراج. ومبلغ علمي أننا لسنا في عصر طاقية الإخفاء وبساط الريح.
السادة الوزراء الذين يقدمون أنفسهم للصحف الخاصة خوفا من سكينها الحاد أو طمعا في مد جسور محبة وود معها اتقاء لغضبها لهم منطقهم في ذلك. حيث يقولون انه طالما ان الصحف الخاصة والقومية ينتقدان الحكومة فلماذا لا يكونون مع الأولي أما الثانية فيستطيعون بسهولة التقدم بشكاوي ضدها لرئيس الوزراء وغيره من المسئولين كي تخفف من غلوائها ضدهم.
وخطورة هذا المنطق ان سكين الصحف القومية أشد فتكا من الصحف الخاصة ومن السهل جدا "سنه" علي حجر "تجليخ" مدعم بالمستندات.. غير ان الصحافة القومية لا تحبذ أن تتناقض مع حيادها الذي ارتضته لنفسها فلا تميل إلا إلي ميزان الحق والعدل.
وبعد فإن وزراء التسريب في الحكومة الموقرة يقدمون أفضل خدمة للصحافة الخاصة التي يعمل بعضها بأجندة أمريكية واضحة وبعضها بأموال إيرانية صريحة يتكسبها كتاب كبار يؤمنون بالمرشد الأعلي للثورة الفارسية وديمقراطيته وأخري تحظي بدعم إخواني من غسيل الأموال وأشياء أخري كثيرة.
وإذا كانت الحكومة مصرة علي أن تبرز مفاتنها لمن ينظر إليها عبر الثقب الثاني المعروف ب "خرم الأحباب". فإن الحل الوحيد المتاح أمامنا هو أن نبتكر لأنفسنا ثقبا ثالثا نستطيع أن نتمتع منه بمفاتن أخري للحكومة ربما تكون أمتع للناظرين وعلينا اكتشافها.

 

| خريطة الموقع
| اتصل بنا
| بيان الخصوصية

  جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر ©