|
الثلاثاء 22 من ذى القعدة 1430هـ - 10 من
نوفمبر 2009م
إسرائيل ومياه النيل .. الوهم والحقيقة
هل تساعد الصين تل أبيب علي سرقة النهر؟
لحوم إفريقية رخيصة لأول مرة بمصر
دائما تطاردنا الشكوك حول إسرائيل.. والشكوك لها محل من الاعراب فالدولة
العبرية لا يمكن أن يثق بها عربي ومسلم فما بالك بالمصريين الذين خاضوا
ضدها أربع حروب انتهت بتحرير الأرض وتوقيع السلام..
لكن الشك في النوايا الإسرائيلية حلال وشرعي ومباح.. أما التهوين من
قدراتنا وقوتنا وامكانياتنا فشيء لا يمكن القبول به أو السكوت عليه..
هذا هو المدخل إلي مقال اليوم وهو نفس السؤال الذي طرحه بعض الزملاء
والاصدقاء رؤساء تحرير الصحف القومية علي أحمد ابو الغيط وزير الخارجية في
جلسة ودية جمعتنا امام خليج نعمة بعد العشاء الذي أقامه أمس الأول لوزراء
خارجية الدول الافريقية المشاركة في مؤتمر منتدي التعاون بين الصين
وافريقيا..
الوزير ابو الغيط يري أننا يجب أن نعرف الحقائق قبل أن نكتبها أو قبل أن
نصدقها.. من حق الجميع الاجتهاد وتقديم طلقات تحذير ضد نوايا إسرائيل لكن
من المهم أيضا ألا نبخس أنفسنا حقها أو أن نتصور أننا "نائمون" بينما تمرح
تل أبيب وتساعدها الصين في افريقيا لسرقة مياه النيل أو بناء سدود لاحتجاز
المياه عن مصر وتهديدها بالفقر المائي وتبوير الأراضي الزراعية..
وزير الخارجية يقول انه من الضروري التفرقة بين سدود تقام لانتاج الكهرباء
وأخري لاحتجاز مياه النيل.. الأولي اقيمت فعلا والثانية لا تتم إلا بموافقة
مصر ودون أن تؤثر علي حصتها من مياه النيل وهي 55 مليار متر مكعب سنويا..
دعونا نسأل أنفسنا بالمنطق إذا كانت إسرائيل تريد مياها تأخذها من افريقيا
البعيدة جدا أم من تركيا القريبة جدا ومن خلال انابيب مياه تنقل ما تحتاجه
إسرائيل إليها بسهولة؟
مما لا شك فيه أننا يجب أن نأخذ حذرنا من اسرائيل في اشياء كثيرة. لكن في
الوقت ذاته مصر لها امكانيات وتستطيع أن تستفيد وتفيد دول حوض النيل وتربط
مصالحها الاستراتيجية بها..
كان مؤتمر ومنتدي التعاون الصيني الافريقي فرصة هائلة جدا لعقد لقاءات بين
دول حوض النيل ومصر.. الرئيس مبارك عقد لقاءات مع المسئولين في اثيوبيا
وأوغندا وبوروندي وتنزانيا ورواندا والكونغو والسودان كما حضر مسئولون من
بقية دول الحوض..
المشكلة الأساسية بين مصر وهذه الدول هي بعض وسائل الاعلام التي تصورهم علي
أنهم حلفاء لإسرائيل وأن الصين تنفذ خطة إسرائيلية لمحاصرة مصر من المياه..
والحقيقة غير ذلك..
هذه الدول تري المياه تتدفق امامها إلي مصر والسودان وهي محرومة منها..
مستوي المعيشة في دول المصب أعلي بكثير من دول المنبع وبالتالي هناك بعض
المرارة أو سوء الفهم.. دول حوض النيل لا تريد مياها اضافية وحتي لو ارادت
فالنيل - فنيا وعلميا - لا يمكنه تقديم سوي 55 مليار متر مكعب لمصر و18
مليارا للسودان أي 73 مليار متر مكعب.. الباقي يفقده النهر في عملية البخر..
كل الوسائل الحديثة التي نبذلها لاعادة استخدام مياه النهر وتطوير اساليب
الري لن توفر لنا سوي خمسة مليارات متر مكعب.. من ثم لابد من تطوير اساليب
الري وهناك تفكير في المستقبل لاستخدام الري بالتنقيط في الصحراء واقامة
دلتا تخليقية خلال الجيل القادم أو في حدود 40 إلي 50 عاما..
مصر تفكر ايضا في تحلية المياه باستخدام الطاقة النووية مستقبلا.. تحلية
مياه البحر بالطاقة النووية سيكون أمرا ملحا لتعظيم الاستفادة من الموارد
المائية المتاحة..
أعود للنقطة التي يثيرها البعض بأن إسرائيل يمكن لها سرقة مياه النيل وأقول
إن الجغرافيا لها وسائلها ومياه النهر تهبط من أعلي إلي أسفل بقوة وبانحدار
شديد.. هذا الانحدار يصلح لتوليد الكهرباء أكثر مما يصلح للري اضافة إلي أن
طبيعة الحياة في دول حوض النيل تعتمد علي الرعي اكثر مما تعتمد علي
الزراعة.. دول الحوض معظمها مراع لقطعان ممتدة من الماشية وهذا ما يمكن أن
يحل المشكلة بين مصر وهذه الدول..
القاهرة يمكنها شراء كميات كبيرة من هذه اللحوم بسعر رخيص جدا.. اذا ما
امكن جلب اللحوم بتكلفة منخفضة فستباع بسعر لا يتعدي 25 جنيها للأنواع
الفاخرة وأقل من 15 جنيها للأنواع الأقل جودة.. لكن كلما توشك مصر علي
ابرام صفقة كبري من هذه الدول تخرج اقلام وأصوات تشكك في نوعيتها واصابتها
بكل انواع الأمراض الحيوانية الموجودة في العالم وللأسف يكون المردود
التشكيك في الصفقات الافريقية والاحجام عنها رغم انها الأصلح للمستهلك
المصري محدود الدخل..
يتم ذلك لحساب مافيا اللحوم المستوردة من امريكا الجنوبية والتي ترتفع
تكلفتها لطول المسافة وارتفاع تكاليف الشحن ومن ثم تصل للمستهلك مرتفعة
الثمن.. علينا أن نعرف أن شراء اللحوم من افريقيا سيساهم إلي حد كبير في
تقليل الاحتقان بين مصر ودول الحوض وسيؤكد علي عمق العلاقات بين القاهرة
ودول الحوض..
الاهتمام بشراء اللحوم من دول المنبع سيؤكد علي حماية الأمن المائي لمصر
والسودان ومن ثم الأمن القومي.. اذا شعرت دول الحوض أن القاهرة تمد لها يد
المساعدة المالية في صورة شراء لحومها والمساعدة الفنية في مجال الزراعة
والري والكهرباء والطاقة والطب والتعليم وغير ذلك. فمن المؤكد أن العلاقات
ستكون اكثر متانة وقوة وستحل الثقة محل الشك والارتياب..
|