|
الأثنين 21 من ذى القعدة 1430هـ - 9 من
نوفمبر 2009م
مصر والصين وإفريقيا .. فريق واحد
سباق دبلوماسي واقتصادي علي القارة السمراء
التقدم ليس حكراً علي دولة أو جنس
المغني الزنجي العالمي ستيفي واندر كان له أغنية شهيرة عن جوموكينياتا
الزعيم الكيني العظيم ورفيق نضال الرئيس الراحل عبدالناصر وأحد أقطاب حركة
عدم الانحياز.. كانت الأغنية تقول "كان هناك رجل لديه حلم بأن يصبح
الأفارقة جميعاً فريق واحد ".
كان كينياتا يعرف أن الشعوب الإفريقية بينها صراعات غذاها الاستعمار ولعب
عليها فتفاقمت الأزمات.. لكن الرجل رحل قبل أن يري حلمه يتحقق.
وللأسف الشديد كنا ندرس في الجغرافيا أن القارة السمراء هي منجم المعادن
للعالم كله.. لكن الأوروبيين قرروا بعد انتهاء الاستعمار أن يقتصر دور
الدول الإفريقية علي توريد المواد الخام لمصانعهم في القارة البيضاء وتظل
الأيدي السمراء تعمل وتنتج ليزداد ثراء العالم المتقدم.
وهكذا انصرف العالم الصناعي وحتي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي
إلي حلب الدول الإفريقية وشفط خيراتها.. وتفرغ الأفارقة للصراعات القبلية
والمشاكل الحدودية والثورات والحروب الأهلية.
كان هم العالم الصناعي أن تظل إفريقيا علي ما هي عليه من تخلف وتتفرغ
لنزاعاتها ومشاكلها. لكن بعض القادة الأفارقة - وعلي رأسهم الرئيس حسني
مبارك - سارعوا إلي لم الشمل. وسعوا إلي إزالة الخلافات والمشاكل بين هذه
الدول حتي تنطلق إلي التنمية والتقدم والرخاء.
لقد قال الرئيس مبارك في خطابه أمس جملة موحية وهي أن التقدم الاقتصادي ليس
حكراً علي دولة أو جنس. وهو ما يؤكد أن العقل البشري له أن يجتهد ويتفوق
وينطلق إلي آفاق رحبة.. ختم الجودة يمكن أن يكون صينياً أو هندياً أو
ماليزياً وليس بالضرورة أن يكون أوروبياً أو أمريكياً.
كانت إفريقيا تحتاج شريكاً في التنمية.. يفيد ويستفيد.. لا يسعي إلي
الاحتكار والهيمنة وإنما إلي التعاون والتنمية.
لقد سري اعتقاد لفترة طويلة روجت له وسائل إعلام إسرائيلية وغربية أن الصين
تحالفت مع تل أبيب للإضرار بمصالح مصر في إفريقيا وبالذات في منابع النيل.
قالوا إن السدود التي تقوم الصين ببنائها هدفها التأثير علي حصة مصر في
النيل وتبوير وتجريف الأراضي الزراعية حتي لا تجد ما يرويها.. والواقع أن
هناك تنسيقاً بين مصر والصين حول المشروعات المائية علي نهر النيل وبالذات
في المنابع. وطالما أن السدود تحظي بموافقة مصر وتتم بالمواصفات الفنية
والقانونية فلا مانع من ذلك لا الآن ولا مستقبلاً..
المنتدي الصيني الافريقي الذي عقد بمدينة شرم الشيخ أمس ويختتم أعماله
اليوم هو نموذج حقيقي لتعاون الجنوب مع الجنوب.. تعاون للتكامل بين شركاء
وليس لسيادة دول علي أخري أو تكتل علي آخر.
لقد أعفت الصين 33 دولة افريقية من 160 ديناً كانت ترهق كاهلها وتؤثر علي
ميزانيتها كما أن بكين وكما أعلن رئيس مجلس الدولة الصيني ستقدم 10 مليارات
دولار للدول الافريقية طوال 3 سنوات وهذا في حد ذاته دليل أكيد علي "الشراكة"
بين الصين وافريقيا.
لقد كان منتدي الأعمال الصيني الافريقي أمس ومثله مؤتمرات أخري سابقة
ولاحقة هو اجابة عملية علي كل الذين يتساءلون عن الدور المصري ولماذا لم
يعد له نفس التأثير في افريقيا أو مع الأصدقاء التقليديين.
وقد يسأل البعض عن الدور السياسي والدبلوماسي الذي يمكن أن تلعبه وزارة
الخارجية مثلاً في الاستفادة من الوجود الصيني في افريقيا رغم علاقة بكين
القوية بإسرائيل وهو سؤال يحتاج إجابة موضوعية.
فالصين تسعي للحصول علي الخبرة الإسرائيلية في أربعة مجالات أساسية لا يمكن
لبكين الحصول عليها من أوروبا وأمريكا وهي التكنولوجيا المتطورة والاتصالات
والزراعة ونظم الري الحديثة بالإضافة لرغبة الصين في الحصول علي
التكنولوجيا العسكرية الاسرائيلية المتطورة.
ورغم هذه العلاقة الوثيقة بين إسرائيل وبكين إلا أن الخارجية المصرية
والدبلوماسية الهادئة استطاعت أن تجعل التواجد الصيني في افريقيا مقصورا
علي الدور الاقتصادي والعمل بصورة كبيرة علي شرح الكثير من التعقيدات
الافريقية للجانب الصيني مثل قضية دارفور ومبادرة دول حوض النيل.
مصر استطاعت أن تبصر "الصين" بحساسية القضايا الافريقية وأوضحت في أكثر من
لقاء استراتيجية هامة في التعاون والتنمية بأفريقيا وهي أن تكون المشروعات
ثنائية بين الصين وأي دولة افريقية ويكون الهدف منها مشتركا لصالح الدولتين
وليس لخدمة أهداف طرف ثالث أو الاشتباك مع مصالح دول من خارج القارة
الإفريقية تسعي إلي زعزعة أحوالها السياسية والاقتصادية.
ان مصر بمكانتها السياسية الدولية وحجم تبادلها التجاري مع الصين وتوفير
عدة خيارات للاستثمارات في مصر وخارجها أمام المشروعات والشركات الصينية من
شأنه أن يستقطب القرار السياسي الصيني لمصلحة الدول الافريقية في المحافل
الدولية.. الصين لا تنسي أبدا ان مصر أول دولة اعترفت بها عام 1956 وتتفق
علي مبدأ "صين واحدة" لذلك فإن الصين التي تملك حق الفيتو في مجلس الأمن
يمكنها أن تكون عونا للدول النامية ومصر في كثير من القرارات والتوصيات
التي تحاك ضد استقرار القارة السمراء. كما ان امكانياتها الاقتصادية
المهولة التي ترشحها لتكون ثاني أكبر اقتصاد في العالم يمكنها أن تخدم
افريقيا ومصر بشكل كبير.
|