محمد على إبراهيم .... رئيس تحرير الجمهورية

 

السيرة الذاتية | مصر المستقبل | حكايات اسبوعية | مختصر ومفيد | حوارات صحفية | البوم الصور

الأربعاء 9 من ذى القعدة 1430هـ - 28 من اكتوبر 2009م

الوزير السياسي .. وزميله الموظف
الصحافة القومية صوت الشعب.. ولا تعرف "المصالح"
الإعلانات والوعود خطأ منصور الأكبر

حسم الرئيس حسني مبارك الجدل الذي ثار حول بقاء أو رحيل الوزير محمد منصور الذي طُلب منه تقديم استقالته في وقت مبكر من صباح أمس فتوجه إلي القرية الذكية حيث قدمها إلي د.أحمد نظيف رئيس الوزراء.
كانت "الجمهورية" قد تتبعت منذ فترة زادت عن أربعة أشهر أخطاء الوزير.. وكتبت شخصياً عنه أكثر من مرة مقالات عن سلبيات السكك الحديدية التي يراها الجميع باستثناء المسئول الأول عنها وهو الوزير.
يوم 30 يوليو الماضي كتبت في العدد الأسبوعي بالجمهورية مقالاً عن "الوزير التركي والصحفي الخرسيس" وكان يلخص الحالة التي وصل إليها محمد منصور وأقنعه بها من حوله. وهي أن الصحفيين الذين يكتبون ضده لا يفقهون شيئاً ويرون نصف الكوب الفارغ فقط ولا يعلمون الجهد الذي يبذله معاليه.
لقد بدأت مشكلة الوزير مع الصحافة عندما ساوي بين الجميع.. بين الصحافة القومية التي حذروه منها وبين الصحافة الخاصة التي دفعوه إليها.
قالوا له إن الصحافة القومية ضد رجال الأعمال والصحافة الخاصة ستفهمك أكثر.. نصحوه بأن يركز علي الصحف التي يمولها رجال الأعمال لأنها تفهم فكره ورؤيته التي يمكن أن تصلح مع سيارات الصفوة وليس مع سكك حديد الغلابة..
في أول لقاء معه كان معي الصديقان اسامة سرايا ومحمد بركات رئيسا تحرير الأهرام والأخبار وذلك بعد الحادثة الرهيبة لقطار قليوب التي صاحبت توليه الوزارة.. طلب منا عدم نشر كلمة مما قال ربما لأنه لم يكن يثق كثيراً في الصحف القومية.. والتزمنا بطلبه رغم أن ماقاله كان يستحق التعليق عليه بقسوة.. وفوجئنا به يختار صحيفة خاصة كأول اطلالة له علي القراء وهي نفس الصحيفة التي تولت بعدپذلك الدفاع عن ممدوح اسماعيل مالك العبارة التي غرقت وراح ضحيتها الآلاف..
ويبدو أن الوزير المستقيل كان حسن النية إلي أبعد حد فيمن اختارهم لتحسين صورته. مع انه المفروض "ابن سوق" ومهندس ويعرف أن الطريق المستقيم هو أقصر الخطوط للحقيقة..
والحقيقة أن الرجل لم يكن وزيراً سياسياً.. وتسألني عن المعني فأقول لك إن هناك وزراء سياسيين "بالفطرة" أو بالممارسة ووزراء موظفين.. الفئة الأولي ينتمي إليها أحمد المغربي وزير الإسكان "ابن خالة محمد منصور" ورشيد محمد رشيد وزير الصناعة والتجارة وطبعاً أحمد شفيق وزير الطيران الذي أضرب به المثال دائماً.. الوزير السياسي يعرف عيوب وزارته "قبل" الشعب. والوزير الموظف يفاجأ بالعيوب "مع" الناس.. والفرق بين "قبل" و"بعد" كبير.. فأحمد المغربي مثلاً عندما انفجرت أزمة مياه الشرب قبل عامين لم يفاجأ بها وقال إنها ستنتهي بعد 18 شهراً وستظل هناك بعض القري الصعبة.
أحمد شفيق وزير الطيران عزل اثنين من كبار مساعديه فجأة لأنه لم يرض عن أدائهما.. لم تقع حادثة لا قدر الله وعرفت انه في الطيران لابد أن تراعي تقارير الأداء ونظافة الطائرة ووضع الأحزمة علي الكراسي وهي بدون ركاب.. شفيق وزير "نمكي" يهتم بالتفاصيل وعندما عزل مساعديه سأله الصحفيون لماذا؟ والمعني انه فطن للعيوب قبل أن تظهر للناس.. اتخذ قراراً في وقت تصور فيه الرأي العام انه سيكتفي بإنجازه الأكبر وهو المطار العالمي الذي افتتحه الرئيس مبارك ويضارع أرقي المطارات. ومع ذلك لم ينتش الوزير بالحجر والالكترونيات والبوابات ولكنه ظل يطارد الخطأ البشري..
الوزير المستقيل محمد منصور كان اهتمامه يختلف.. فقد تعامل مع القطارات بنفس منطق تسويق شركة السيارات التي يملكها وهي الدعاية والاعلان.. ونسي الوزير الفارق بين العام والخاص.. فقد كان مسئولا عن خدمة عامة وهو وزير. وليس شركة خاصة.. فماذا فعل؟! تعجل النجاح.. جري قبل ان يتعلم المشي علي الطريق الصعب.
بادر الي زيادة تذاكر القطارات فارتفعت مثلا التذكرة من القاهرة للاسكندرية في القطار الفاخر الي 50 جنيها بعد 36 جنيها.. وكان المنطقي أن يحسن الخدمة أولا ثم يرفع التذاكر..
مشكلته الكبري انه كان لايعرف متي يتكلم واين يصمت واستوي عنده الاعلام مع الاعلان.. وجاءت مصيبته الكبري عندما حصل علي سبعة مليارات جنيه لتطوير السكك الحديدية قال انه اشتري بها جرارات.. وهذا دليل آخر علي انه لايفهم العقلية المصرية.. الراكب لايهمه ان كان الجرار أمريكياً أم صينياً أم هندياً. المهم أن يكون كرسيه مريحا والتكييف يعمل ودورة المياه نظيفة. وهذا كله لم يتحقق..
كتبنا وقلنا اين هذه القطارات التي نشاهدها في اعلانات القناة التليفزيونية "الخاصة" نريد أن نركبها وندفع 200 جنيه ثمناً للتذكرة.. فأفهمونا أن القطارات موجودة لكنها ترتدي "طاقية الإخفاء" مؤقتاً خوفاً عليها من الحسد.
وبدأ الوزير يطلق الشائعات ضد "الجمهورية" وينتقدها في جلساته الخاصة.. وأفهمه معاونوه أن الصحف القومية لا أحد يهتم بها ولابد أن يظل مع "النجوم الزاهرة" في الصحافة الخاصة.
وبلغ من استهتاره بنا انه كان يرسل إلينا يطلب تغيير مندوب الجريدة عنده لأنه يكتب أخباراً سلبية ولا يلتزم بالنشرات الصادرة منه.. أفهمناه أن الصحافة هي عين الشعب وليست عين الوزير فامتعض.
ورغم استقالة الوزير فهناك كلمة حق ينبغي أن تقال وهي أن الرجل كان مهذباً لكنه أحسن الظن ببعض مساعديه وسار وراءهم دون أن ينظر لموضع أقدامه وفي النهاية اكتشف أنهم ورطوه مع الشعب المصري كله عندما اتهمهم بأنهم حرامية ولصوص حنفيات ويحملون مطاوي قرن غزال في جيوبهم.. يا معالي الوزير لقد حكيت لك أكثر من مرة عن تجاربي المريرة في قطار الإسكندرية الفاخر ولم تصدقني.. وأتمني الآن أن تجرب الخدمة التي كنت تقدمها لنا بنفسك لتعرف مدي السوء فيها. ويكفي أنك لم تركب قطاراً مرة واحدة لتشاهد علي الطبيعة ما أخفوه عنك وأقنعوك أنه غير موجود.

 

| خريطة الموقع
| اتصل بنا
| بيان الخصوصية

  جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر ©