|
السبت 20 من ربيع الاول 1431هـ - 6 من مارس
2010 م
نموذج مشرف لرجل أعمال مصري
يهوي الإعلام سواء الصحفي أو الفضائي أن يتعقب رجال
الأعمال في مصر وتصويرهم علي أنهم سبب الغلاء والبلاء وارتفاع الأسعار..
فهم محتكرون مبتزون يسعون لاقتناص السلطة لينعموا بتزاوج بينها وبين الثروة
ليكتمل لهم ثنائية النفوذ.
والحقيقة أن رجال الأعمال مثلهم مثل كل البشر فيهم الجيد والسييء.. الخبيث
والطيب.. المستغل والمتسامح.. لذلك من الخطأ الجسيم أن نصمهم جميعاً
بالاحتكار والانتهازية ورفع أسعار السلع والمنتجات.. رجال الأعمال دائماً
متهمون بأنهم ضد الاقتصاد الوطني ويعملون لصالح أنفسهم ويسعون لتحقيق ذاتهم
فقط.. مع أن الصورة عكس ذلك.
مؤخراً كان لي لقاء مع الصديق محمد حلاوة أحد أكبر مصنعي الألبان والجبن في
مصر وأيضا أكبر المصدرين إلي أسواق 41 دولة إفريقية وبالشرق الأوسط وأمريكا.
محمد حلاوة هو ابن نبيل حلاوة محافظ كفر الشيخ الأسبق ورئيس هيئة النقل
العام في فترة سابقة. ويبدو أن الابن قرر أن يخوض بنفسه تجربة اقتصادية
منفصلة لا يستند فيها إلي مكانة لوالده. فكان أن بدأ نشاطه بعد تقاعد والده
سياسياً.
لقائي مع رجل الأعمال تصادف مع خطاب الرئيس مبارك في بني سويف يوم أول مارس
والذي أعلن فيه عن برنامج قومي بين الحكومة والقطاع الخاص للاستثمار في كل
القطاعات الصناعية والتجارية والمرافق الحيوية في أول اشارة من الرئيس
لدخول القطاع الخاص للمرافق حيث أصبح من الممكن بناء محطات كهرباء ومياه
ومشاريع صرف صحي يديرها هذا القطاع.. فلا أحد سيحمل محطة المياه أو
الكهرباء علي كتفه ويرحل بها.. فهي للبلد ولأبنائها.
قال محمد حلاوة لي ان الرئيس مبارك كان عظيما وهو يتحدث عن ثنائية بين
الدولة والقطاع الخاص.. ثنائية تبني لصالح الوطن تستفيد من الامتيازات التي
تقدمها الدولة من أراض وقوانين ومرافق ويستقدم القطاع الخاص التكنولوجيا
ويبني المصانع ويفتح فرص عمل جديدة للشباب.
الغريب ان محمد حلاوة بدأ مصانعه قبل خمسة أعوام مستفيدا من برنامج الرئيس
مبارك الانتخابي.. فلديه 4 مصانع نشأت من رحم برنامج الألف مصنع الذي أعلنه
الرئيس مبارك في بداية حملته الانتخابية عام ..2005 المصانع في العاشر
وقليوب واثنان في العبور.. يعمل في شركاته ومصانعه 4200 عامل ومهندس وفني..
وأسأله كيف تتعامل مع اضرابات العمال واحتجاجاتهم التي أصبحت ظاهرة
ملموسة؟! قال ليس عندي اضرابات لدي 4200 عامل ومهندس وموظف يحصلون علي
حقوقهم وهم يعملون في 3 محافظات مختلفة هي القاهرة والقليوبية والشرقية.
وقد حدث في إحدي المرات - والكلام مازال له - أن قمت بشراء أحد المصانع من
مجموعة شركات عالمية وشعرت أن العمال متخوفون للغاية من الإدارة الجديدة
للشركة وهي إدارتنا.. ذهبت إليهم وسألتهم عن العلاوة التي كانت تعطيها
الإدارة السابقة فقالوا 4% فأكدت لهم أنها ستكون 8% فهللوا فرحاً.
ولأن صناعة منتجات الألبان تتطلب عدة مواصفات أهمها البسترة في مكان تجميع
الألبان. ومن ثم هناك "تنكات" في القري توفر فرص عمالة أيضاً للذين يجمعون
الألبان من المزارعين بالاضافة إلي تدريبهم علي "البسترة" والنقل في سيارات
مبردة خاصة للمصانع.
ويؤكد حلاوة ان شركاءه الفرنسيين في مصر جاءوا إليها لأنها تنعم بالاستقرار
السياسي وبها قوانين تشجع الاستثمار ولا تعطله.. رأس المال جبان ينظر إلي
البلد وأوضاعه قبل أن يغامر بنقوده.. الفرنسيون والكلام لحلاوة لا يستثمرون
في إيران أو اليمن أو مناطق الصراعات.
ويلاحظ رجل الأعمال أن كل زيارة للرئيس مبارك لدولة أوروبية أو آسيوية تفتح
أسواقاً للمنتجات المصرية والدليل علي ذلك أن إنتاج مصانعه يذهب 70% منه
للتصدير في 41 دولة بالعالم.. ورغم الحظر الذي فرضته أحياناً بعض الدول
الأوروبية علي منتجات الألبان المصرية إلا أن جودة منتجاته غزت أسواقاً
أخري.
الإنتاج المصري الفرنسي في الألبان والزبادي والجبنة المطبوخة "بريزدنت"
والزبد وغيرها لم يصل إلي مستواه إلا بشيء واحد هو التكنولوجيا الحديثة
وتدريب عمالة فنية علي أعلي مستوي.. الجودة في الصناعة الحديثة تعني شيئاً
واحداً هو تدريب علي أعلي مستوي.. المهندسون يتم إرسالهم للتدريب في
فرنسا.. من ناحية أخري تستورد المصانع مدربين فرنسيين علي أعلي مستوي
لتدريب العمال هنا في مصر إلي جانب أن المصانع تستعين بخريجي كليات الزراعة
بالقاهرة والإسكندرية.
وحلاوة لا يسعي للمكسب المادي بقدر ما يسعي لتغطية كافة شرائح المستهلكين..
عنده منتج لباب الشعرية والشرابية ومنشية ناصر ومنتج آخر للزمالك والتجمع
الخامس.. ومهما كان ثمن المنتج. فإنه لا يتنازل عن الجودة.
التصدير قضية حياة أو موت لرجال الأعمال والاقتصاد المصري ودائماً ما يتحدث
عنه الرئيس مبارك ويشجع عليه.. لو زاد التصدير - في رأي حلاوة - ستنخفض
أسعار السلع.. مكسب رجال الأعمال الحقيقي من التصدير.. فلو زاد من الطبيعي
ان يخفض السعر ليزيد الاستهلاك المحلي.
يري رجل الاعمال ان مصانع بئر السلم هي أخطر ما يهدد الصناعات الغذائية
المصرية بشكل عام وصناعات الألبان بشكل خاص.. فهي تسيء لمصر.. والصناعة
الغذائية لدينا 70% منها يتم في بئر السلم و30% يتم كصناعات منظمة.. هذه
الصناعات غير المطابقة للمواصفات القياسية تجد طريقها أحياناً للأسواق
العربية.. وإذا ما تم ضبطها فإن القرار الذي تتخذه سلطات الدول العربية هو
منع دخول الصادرات المصرية "عموماً" وليس ماركة أو اسماً معيناً.. وهكذا
يقضي السييء علي الجيد وتفقد مصر مكانتها في المنطقة.. حلاوة يفخر بأن
منتجاته في الخليج ولبنان والأردن تحتل الصدارة. لكن هناك مناطق أخري تتحكم
السياسة فيها فتتراجع الصادرات مثل سوريا وشمال افريقيا.. البلاد التي بها
جاليات عربية كبيرة مثل أمريكا واستراليا ينجح التصدير..
ويبقي أن أؤكد للقارئ العزيز أن الدولة عليها عبء في وصول الانتاج الجيد
إلي المستهلك من خلال تطوير منافذ البيع وهو ما تحدث عنه الرئيس في بني
سويف أيضاً.. الدولة مطالبة بزيادة مراكز التوزيع لتقل الأسعار ولعرض
البضائع والمنتجات الغذائية في أفضل صورة حرصاً علي صحة المواطنين.. وإذا
استمرت الشراكة الثنائية بين الدولة والقطاع الخاص سنتقدم أكثر..
|