|
الأربعاء 17 من ربيع الاول 1431هـ - 3 من
مارس 2010 م
الرئيس المستقل "3"
لماذا لم يتغير الدستور الأمريكي رغم ثغراته؟!
كثر الحديث في هذه الأيام عن ضرورة تغيير الدستور وزعم
الراغبون في ذلك أن التعديلات التي أجريت علي هذا الدستور في 2007 شوهته
وانه ينبغي أن يتم تعديلها مرة أخري واسقاط المواد 76. 77. 88 وغيرها من
المواد التي يرفضها كثيرون. متعللين انها تعوق انتخاب الرئيس انتخابا حرا
مباشرا.
وعفواً اسمحوا لي بالقول إن دستورا من أعرق الدساتير في العالم وهو الدستور
الأمريكي ملئ بالثغرات القانونية والدستورية ومع ذلك يحترمه الجميع ولا
يفكر أحد في تغيير بنوده وإن كان قد تم تعديل بعضها طوال السنوات الماضية..
ورغم هذه التعديلات التي جرت في الولايات المتحدة فإنها لم تخرج عن 12
تعديلا منذ أول رئيس وهو جورج واشنطن وحتي باراك أوباما الرئيس الحالي.
ان كل الذين ينادون بتغيير الدستور في مصر ومن يجمعون التوقيعات
الإلكترونية لانتخاب مرشح ما وتزكيته لا يعرفون أن كثيراً من دساتير الدول
الديمقراطية الكبري في العالم عليها خلاف. ومع ذلك لا يفكر أحد في تعديلها
أو القفز فوق بنودها أو مهاجمتها في الصحف.. الدساتير في انجلترا وأمريكا
وفرنسا مثل الكتب السماوية ومن يسعي لتغيير بنودها ليس أمامه إلا سبيل واحد
هو المجلس التشريعي أو البرلمان.
وإذا كنا اليوم سنتحدث عن الدستور الأمريكي فيهمني ان يعرف القراء أن
الرئيس الأمريكي لا يتم انتخابه انتخاباً مباشراً من قبل الشعب.. والأغرب
من ذلك أن عدد من صوتوا في الانتخابات الأمريكية السابقة عام 2000 للمرشح
الديمقراطي آل جور كان أكثر من عدد الذين صوتوا لجورج بوش الذي فاز
بالرئاسة لطبيعة نظام الانتخاب الأمريكي الذي لا يعتمد علي الانتخاب.
روس بيرو الذي تحدثت عنه أمس حاول بملايينه وشراء أوقات "متميزة" في ساعات
الإرسال التليفزيوني ان يغير ما استقر عليه الأمريكيون طويلا وهو الاختيار
بين الحزبين الكبيرين الديمقراطي والجمهوري. لكنه فشل لأن الناس لم تصدقه..
لكن هناك نقطة لابد من احترامها في روس بيرو لأنه رغم فشله في التأهل لدخول
سباق الرئاسة لأنه لم يحقق النسبة المطلوبة ليكون له تمثيل داخل المجمع
الانتخابي كما ينص الدستور وهي نسبة ال 5% من التصويت الشعبي. إلا انه لم
يهاجم الدستور ولم يطلب تعديله ليحقق النسبة التي تتيح وجود مندوبين له
داخل المجمع الانتخابي.. بالعكس اقتنع بيرو وفي انتخابات 1996 قام بتشكيل
حزب "الاصلاح" ليخوض ترشيحات الرئاسة عن "حزب" وليس مستقلا..!! وحتي عندما
سئل عن لماذا لا يطالب بتعديل النسبة "5%" حتي يكون للمستقلين تمثيل في
المجمع الانتخابي رد بثقة قائلا: "إذا لم أتمكن من اقناع الشعب باختيار
مندوبين لي في المجمع الانتخابي. فكيف أقنعهم بسياستي"!
المعروف انه لا يحق لأي مرشح رئاسة في أمريكا خوض الانتخابات إلا إذا كان
له مندوبون داخل المجمع الانتخابي "538 صوتا" والذين يتحقق الفوز لمن يحصل
علي 270 صوتا منهم "النصف « واحد".. وطالما لم يكن لمرشح الرئاسة أي مندوب
في المجمع. فلا يصح أن يخوض الانتخابات.
لكن لماذا لم يفكر الأمريكيون في تغيير الدستور رغم ان هناك ثغرات كثيرة
تستحق التعديل؟! نضرب أمثلة أولا ثم نحلل!
ينص الدستور الأمريكي علي أن كل حزب من الأحزاب التي تدخل الانتخابات يختار
مندوبيه أو delegates في كل ولاية وهو نفس عدد أعضاء الكونجرس بمجلسيه
الشيوخ والنواب.. فلو افترضنا أن ولاية كاليفورنيا بها 55 عضوا بالشيوخ
والنواب 30 للديمقراطيين و25 للجمهوريين فإن هذه الولاية يكون لها 55
مندوبا في المجمع الانتخابي المكون من 538 مندوبا.
تجري الانتخابات في كل ولاية لاختيار هؤلاء المندوبين.. وفي موعد الاقتراع
"الثلاثاء الأول من نوفمبر" يذهب الأمريكيون للمرحلة الأولي من التصويت وهي
التصويت الشعبي علي الرئيس ونائبه.. فلو اختار أهل كاليفورنيا مثلاً أوباما
فإن أصوات المندوبين ال 55 تذهب كلها له فيما يعرف بنظام الفائز يحصد الكل.
ومن عيوب الانتخابات الأمريكية أن يحصد رئيس 8.47% من إجمالي التصويت
الشعبي ويحصل آخر علي 38.48% من هذا التصويت.. لكن الأول يفوز لأنه فاز في
ولايات تملك عددا اكبر من المندوبين في المجمع الانتخابي فالذي يفوز في
كاليفورنيا وفلوريدا وتكساس أفضل من الذي يفوز في آلاسكا وكنتاكي وأوهايو.
ورغم هذا النظام المعقد الذي يفرز أحيانا رئيساً لايختاره الشعب "فعليا".
إلا أن الأمريكيين ارتضوه رغم الثغرات ورغم عدم المساواة فيه.
من الثغرات الموجودة في الدستور الأمريكي أنه في حالة تعادل الأصوات
الانتخابية "electoral votes" أي أن يحصل كل مرشح علي 269 صوتا في المجمع
الانتخابي فإن الأمر برمته يحال إلي مجلس النواب الذي يقوم باختيار الرئيس
الأمريكي دون أدني التفات لرأي الشعب الأمريكي أو التصويت الشعبي والذي
ربما يكون أحد المرشحين قد حقق تقدما علي الآخر فيه..وقد حدث ذلك في
التاريخ الأمريكي مرتين احداهما أسفرت عن اختيار توماس جيفرسون رئيسا
والأخري عن اختيار جون كوينسي آدامز.. ومن ثم فإن التعادل وارد تماما في
الانتخابات الأمريكية ومع ذلك يتم اختيار الرئيس بعيدا عن اختيار الشعب!!
هذه نبذة صغيرة عن الانتخابات الأمريكية ودستورها المعقد جدا الذي لايفرز
الأفضل ومع ذلك يحتفي به الأمريكيون ولايطلبون تعديله إلا من خلال مجلسي
النواب والشيوخ و"فيما ندر".
ثغرات الدستور الأمريكي سأستكملها غدا في العدد الأسبوعي "للجمهورية" ليعرف
القراء المصريون أن ما يحدث في بلادنا هو بدعة من اختراع نفر من هواة الشو
الإعلامي والفضائيات و"حرب الفراولة".
|