|
الاثنين 15 من ربيع الاول 1431هـ - 1 من
مارس 2010 م
الرئيس المستقل "1"
قرضاي والبرادعي .. أوجه الشبه والاختلاف
لا شك أن من حق كل إنسان في مصر أن يتقدم للترشيح للرئاسة
كما ينص علي ذلك الدستور.. غير أن أي دستور في العالم لابد أن يتم تقييم
مواده بشكل أوسع وأشمل.. ومن ثم لا يحق لسياسي أو خبير قانوني أن يفصل "الدستور"
علي مقاس كل مرشح.
نعم الدستور المصري يجيز ترشيح المواطنين للرئاسة حيث تنص المادة 75 أنه
يشترط فيمن ينتخب رئيسا للجمهورية أن يكون مصريا من أبوين مصريين وأن يكون
متمتعا بالحقوق المدنية والسياسية ولا تقل سنه عن 40 عاما.
نعم الدستور ينص علي هذا لكن هذه مادة واحدة وهناك المادة "76" التي تنص
علي حصول المتقدم للرئاسة علي تأييد 65 عضوا من أعضاء مجلس الشعب و25 عضوا
من أعضاء الشوري و10 أعضاء من كل مجلس محلي محافظة بحد أدني 14 محافظة.
المادة "76" هي أكثر مواد الدستور تعرضا للهجوم في الوقت الراهن لأن بعض
التيارات السياسية تريد أن يفتح الباب علي مصراعيه للجميع للترشيح استنادا
إلي المادة "75" من الدستور.. ورغم أن الدستور المصري ينص علي أن الحياة
السياسية المصرية تنص علي التعددية الحزبية. إلا أن كثيرين يريدون أن تسقط
ما يسمونه ب "قيود الترشيح" للمنصب الرفيع.
والسؤال الذي يطرحه كثيرون في مصر اليوم لماذا لا يكون هناك رئيس مستقل؟!
والإجابة بسيطة أين هو الرئيس الذي لا ينتمي لحزب في البرلمان في دول
العالم؟! إذا أردت الإجابة هو رئيس واحد في أفغانستان وهو حامد قرضاي الذي
نصبته الولايات المتحدة وأتت به من المنفي ليحكم بلدا لم يعش فيه إلا عدة
سنوات.. وفي مؤتمر صحفي ظهر أن قرضاي "الأفغاني" يعرف عن إيطاليا التي نفي
إليها أكثر مما يعرف عن أفغانستان! ويبدو أن البرادعي يسعي ليكون ثاني رئيس
مستقل في العالم بعد قرضاي.
أعود لفكرة الرئيس المستقل فأقول ان الولايات المتحدة رغم انها تسمح للجميع
بخوض الانتخابات الرئاسية إلا انها مع ذلك انحصرت الرئاسة فيها في رؤساء من
الحزبين الرئيسيين وهما الديموقراطي والجمهوري.. وأحيانا يكون الرئيس
جمهوريا وأغلبية مجلس النواب من الديموقراطيين وأحيانا أخري يكون الرئيس
ديموقراطيا وأغلبية الكونجرس من الجمهوريين.. هذه الحالة يطلقون عليها في
الولايات المتحدة "الرئيس.. بطة عرجاء".
فالرئيس الذي لا تحميه أغلبية من حزبه داخل مصنع القوانين التشريعية سواء
كان الكونجرس أو مجلس العموم أو البرلمان أو حتي البوندستاج الألماني لا
يمكن أن ينفذ أي شيء للشعب.. فلو افترضنا ان مصر تولي فيها سدة الحكم رئيس
مستقل فسيكون عليه إرضاء 24 حزبا موجودة علي الساحة.. وسيجد نفسه مطالبا
بتسديد فواتير الذين قاموا بالدعاية له وسيكون هناك "دين" معنوي في عنقه
للأحزاب وليس للشعب وفي هذا فارق كبير.
فالأحزاب بحكم تأسيسها تمتلك الشرعية ولها الحق في أن تتحدث نيابة عن
الشعب.. لكن الرئيس المستقل لايمكن أن يتحدث قبل انتخابه معبرا عن رأي
الشعب.. فالشعب لايمكن أن يعطي ثقته لشخص بلا برنامج أو سياسي استتر وراء
معارضة شرعية لتصل به إلي كرسي السلطة.. هنا لابد أن يحدث التباس في
البرلمان ويبدأ كل حزب من الأحزاب التي تم تقسيم الكعكة عليها في المطالبة
ببعض الامتيازات. ولم لا أليس هم الذين ساهموا في ترشيح الرئيس.
والرئيس المستقل يكون مترددا. فهو لن يكون وحده مصدر السلطات وسيكون عليه
أن يراعي مصالح 24 حزبا وليس أغلبية أو أقلية.. كيف سيكون شكل البرلمان لا
أحد يعرف! وإذا كان الرئيس الأمريكي بكل القوة والحسم اللتين يملكهما
لايستطيع أن يستصدر قرارا من البرلمان في المسائل الشائكة اذا كان بطه
عرجاء لانه بلا أغلبية. فماذا سيكون عليه الحال في مصر إذا تم انتخاب رئيس
مستقل بلا برنامج سوي تغيير الدستور أو رفع شعار لمحدودي الدخل وهو
"التغيير" دون أن يترجم ذلك إلي تحسين مستوي المعيشة وزيادة معدل
التنمية..؟! سأعود لأمريكا مرة أخري وأتحدث عن المرشح المستقل روس بيرو
الذي يشبه البرادعي كثيرا في انه خرج للناس من خلال شاشة التليفزيون حيث
أجري حديثا مع المذيع الشهير لاري كنج علي محطة ال سي.إن.إن وأعلن انه
سيخوض انتخابات الرئاسة مستقلا. والتقطته الصحافة الأمريكية ومحطات
التليفزيون وصدق بيرو المليونير الأمريكي انه سيكون مبعوث العناية الإلهية
لإنقاذ أمريكا من عجز الموازنة والنهوض بالاقتصاد. لكنه سرعان ما انكشف
عندما بدأ السباق الرئاسي يحتدم بين بوش الأب وكلينتون فانسحب ثم عاد ليعلن
عن دخوله مرة أخري. لكن صورته كانت قد اهتزت جداً.
علي أية حال سأستكمل غداً قصة روس بيرو المرشح المستقل في الانتخابات
الأمريكية ولماذا رفضه الأمريكيون بعد أن رحبوا به وقبلوه.
المرشح المستقل لرئاسة أي دولة سيتفرغ لمحاولات الصلح بين الأحزاب ناهيك عن
أن البرادعي أعلن أنه سيخصص حزباً للإخوان المسلمين. ومن ثم فما المانع أن
يخصص آخر للمسيحيين.؟
الرئيس المستقل لن يتحدث عن مصالح الشعب لأن الذي سيتولي ذلك هي الأحزاب
التي ستدافع عن مصالح اعضائها أولا وقبل كل شيء.. ليس بعيدا أن يصبح
البرلمان المصري مثل مجلس النواب اللبناني ويتم تقسيمه إلي صيغة لا غالب
ولا مغلوب أو بنظام الحصص.
برلمان به 24 حزبا ورئيس مستقل سيجعل الحكومة "علي كف عفريت" وتكون
الاستقالات المتتالية للحكومات أسهل واسرع قرار يقدم عليه أي رئيس مستقل
لانه لاينتمي لأي حزب.. وبالتالي ستتعطل التنمية وتتعثر المشاريع ويلوم كل
رئيس وزراء جديد رؤساء الوزارات الذين سبقوه بأنهم سبب الكوارث.. ثم
يستقيل.. ويجيء غيره ويرحل.. هنا فقط ستحدث الانتفاضة الشعبية من المصريين
الذين يرون أنهم يتم تجاهلهم لصالح بعض الأحزاب.. وإذا ما شعر الشعب أنهم
يتاجرون به من أجل السلطة أو رئيس لايعرفه أحد ولا يؤيده حزب قوي. فستتم
الاطاحة بالرئيس المستقل وأحزابه أو تكتل المستقلين في البرلمان الذين يرون
أن التغيير يمكن أن يلغي مطالب الشعب في التقدم والازدهار والرخاء.
|