|
الاحد 14 من ربيع الاول 1431هـ - 28 من
فبراير 2010 م
فرشاة الأمطار السوداء
من حق زملائي في الصحف الخاصة أن يتناولوا بالنقد كل
انجازات الحكومة.. بعضهم يتمادي ويقرن النقد بالسخرية.. وبعضهم فرشاته
مفعمة بالسواد يدهن بها البلد كلها كل صباح.. هو يفضل اللون الأسود لعلة في
نفسه.. ربما يعتقد أنه جاذب للأنظار أو لأنه لون السيارات المرسيدس أو
الستائر السوداء.
بالأمس قرأت عنوانا يقول يوم ممطر يسقط 30 عاما من البنية الأساسية.. طبيعي
أن يحدث انسداد في بالوعات الصرف الصحي وارتباك مرور وانقطاع طرق في
المحافظات ونشوب حرائق بسبب البرق.. لكن السؤال هل ألغت الأمطار الغزيرة
والبرق اللذان سادا مصر يومين انجازات البنية التحتية التي امتدت لقري
ونجوع مصر طيلة ال 30 عاما الماضية.
لقد عطلت الأمطار الغزيرة يوم الخميس الماضي الارسال التليفزيوني الفضائي
في كثير من المناطق. فلماذا لم تذكر الصحف ذلك؟ أم انهم ركزوا علي المرافق
التي أقامتها الحكومة.
لقد شاهدت ما تفعله الأمطار في أمريكا وبالذات في الولايات الشرقية مثل
فلوريدا والجنوبية مثل تكساس.. الطرق في الولايات المتحدة تغلق نهائيا
ويظهر علي شاشات التليفزيون الطرق البديلة والمسارات التي ينبغي اتباعها..
الأمطار في فلوريدا بالذات لها طبيعة كاسحة تدمر الممشي السياحي المشهور
المحاط ببلاج النخيل أو "البالم بيتش" وهو من أشهر أماكن التريض في العالم.
وتعيد الولاية رصفه من جديد.
لقد عشت في ولاية تكساس الجنوبية شهرا عام 1999 وكان الرئيس جورج بوش مازال
حاكما لها. وهطلت الأمطار بغزارة غير طبيعية وتعطل العمل في شركات البترول
الكبري التي واجهت أزمة عنيفة جدا بعد فشل موظفيها ومهندسيها في الانتقال
إليها.
كثير من الولايات الأمريكية يتم اعلانها كمنطقة كوارث طبيعية ويفقد
المواطنون بيوتهم ويعيشون في قوارب ويصل إليهم الغذاء والدواء عن طريق
الإلقاء من الجو.. هذا ما يحدث في أمريكا أما في بريطانيا فالأمر مشابه.
صحيح ان شوارع لندن مرصوفة بطريقة تجعل الأمطار تنحدر إلي البالوعات. إلا
أن هناك شوارع أخري تتكدس فيها المياه ويتم جرفها إلي البالوعات بالمقشات
اليدوية وسيارات البلدية.. مازالت بريطانيا - التي كانت عظمي - تستخدم
مقشات يدوية في ازاحة المياه إلي مجاري التصريف الرئيسية.
في أيرلندا التي تصادف أننا ذهبنا إليها في زيارة الرئيس لها عام 2007
شهدنا أعنف وأقوي أمطار قطعت الطرق وعطلت المرور لساعات.. في الهند تمطر
صيفا وليس شتاء فيما يعرف بالرياح الموسمية. وتتكدس شوارع نيودلهي بآلاف
السيارات العاجزة عن التقدم بسبب "برك" المياه المتجمعة من سقوط الأمطار
المستمر.
في الدنيا كلها تسقط الأمطار وتلغي الرحلات الجوية وتتعطل التليفونات ويقطع
البرق اسلاك التليفون وأحيانا ما تشعل الحرائق.. الأمطار لها مصطلحات كثيرة
في اللغة الانجليزية يعرفها متحدثوها وتؤكد أن المطر جزء أساسي من الحياة
في الغرب وما يمثله من مشقة ومعاناة بل أحيانا ما يسخرون بالقول انها تمطر
"قططا وكلابا" كناية عن شدة المطر.
وبعد.. فإن كل الأمطار التي سقطت في مصر لم تدخل ظاهرة جديدة إلي قاموس
دموع السماء كما يسميها الهنود الذين مازالوا ينظرون إليها علي انها شيء
مبروك مثل أهل السعودية وسكان الصحاري الأفريقية.
نحن فقط في مصر حولنا الأمطار إلي اتهام للحكومة الخايبة التي ظلت طوال 30
عاما لا تقدم شيئا لإصلاح البنية الأساسية التي كشفتها بعض الأمطار! وسؤالي
هو هل هذه هي الصحافة؟ هل مهمتنا أن نقول ان الحكومة وراء إغلاق الطرق
وتأخر 23 رحلة طيران وتخلف الركاب عن اللحاق بطائراتهم؟ هل أصبحت الحكومة
تعلم حجم وكمية الأمطار قبل سقوطها وتتنبأ بالزلازل قبل وقوعها؟ إذا كان
هناك امكانية لذلك فلماذا لا تنخفض الأضرار في دول العالم المتقدمة؟! لماذا
لم تخترع واشنطن أو لندن أو بكين طريقة فعالة لإنقاذ بلادهم من الأمطار
الغزيرة ومن ثم تكون حكومة د.نظيف "مقصرة" إذا لم تستورد هذه التكنولوجيا
المتقدمة منهم؟! ساعتها فقط نستطيع أن نحاسب الحكومة علي تقصيرها. لكننا لا
نستطيع - ولا أي بلد في العالم - محاسبتها عن آثار المطر.
ممكن أن نحاسب الحكومة علي عدم وجود سيارات كافية لسحب مياه الأمطار أو
تعطل أجهزة الشفط أما نتائج هطول الأمطار فتحدث في العالم كله!
|