|
الأثنين 8 من ربيع الاول 1431هـ - 22 من
فبراير 2010 م
إلي د. حسن نافعة
البرادعي ليس "وحده" الطريق الثالث!
تحتفي الصحافة الخاصة والفضائيات احتفاء كبيرا بالدكتور
محمد البرادعي المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية بمناسبة وصوله
لمصر والحديث الذي يتردد عن ترشيحه لرئاسة الجمهورية الذي يبدو وانه صادف
هوي في نفسه فطفق يشترط تغيير الدستور ليضمن النجاح لاغيا فكرة أن يقدم
برنامجا سياسيا يرغم القوي السياسية علي الالتفاف حوله.
وقد فهم الرأي العام في مصر أن د. البرادعي لا يملك برنامجا ولكنه يملك
شروطاً قد نقبلها من حزب. لكن من مرشح للرئاسة يجب أن يختلف الأمر.. فهو لا
ينتمي لأحد الأحزاب. سبق له أن كرر عدم إيمانه بدور الأحزاب القائمة فعلاً..
إذن هو نسيج متفرد ومنفرد وعليه طبقاً لهذه النظرية أن يقدم لنا شيئاً
يستحق أن ينتخبه الناس علي أساسه وهو برنامج واقعي يحل المشاكل القائمة ولا
ينظرها أو يتكلم بشعارات سياسية في المطلق.
لقد ضرب د. البرادعي مثالاً بكوبا في حديثه مع الزميل أحمد المسلماني في
قناة دريم. وقال إنه رغم العقوبات الدولية المفروضة عليها. فمازال مستوي
المعيشة بها أفضل كثيراً من مصر.. ود. البرادعي الخبير الدولي يعرف أن عدد
سكان كوبا هو 11 مليون نسمة وليس 83 مليوناً.. كما أنه ليس هناك عقوبات
دولية علي كوبا ولكن هناك عقوبات أمريكية قاسية علي نظام كاسترو لرفضه
إجراء تعديلات سياسية وسجله السييء في حقوق الإنسان.. لكن كوبا تعيش من
موارد كثيرة أهمها السكر فهي المصدر الأول للاتحاد الأوروبي إلي جانب صناعة
التبغ والسياحة العلاجية التي تعد رائدتها في العالم إلي جانب أشياء كثيرة
ومنها العلاقة الاقتصادية الخاصة مع أسبانيا.
هذا يوضح ان المقارنة لم تكن دقيقة وهو شيء سأعود إليه في تحليلات قادمة.
لكنني اليوم أتوقف عند مقال للدكتور حسن نافعة في الزميلة "المصري اليوم"
وصف فيه د. البرادعي بأنه الطريق الثالث الذي يجب أن تبحث عنه مصر في سعيها
للخلاص من الحزب الوطني والإخوان المسلمين "معاً"..
قال د. حسن في مقاله "رأيت مصر بالأمس تصوت لصالح طريق جديد ثالث يضم صفوف
كل القوي والأحزاب والتيادات السياسية والفكرية الراغبة في تأسيس نظام
ديموقراطي متكامل يقوم علي المواطنة والفصل بين السلطات وعلي الشفافية
والمساءلة وحكم القانون.. نظام يسمح للجميع دون استثناء أو اقصاء بالمشاركة
كل علي حسب وزنه الذي تحدده صناديق اقتراع في انتخابات حرة نزيهة تجري تحت
الاشراف الكامل للقضاء.. ولأن هذه القوي وجدت في شخص د. البرادعي رجلاً
مناسباً لقيادة المرحلة الانتقالية اللازمة للبدء في تعبيد هذا الطريق
الصعب. فقد قررت أن تذهب لاستقباله في المطار ولسان حالها يطالبه بتقدم
الصفوف.
وأضاف في موضع آخر "حين نظرت في عيون الشباب القادم من كل أنحاء مصر. بما
في ذلك شباب جاء من المهجر مصادفة أو ليشارك خصيصاً في المناسبة. رأيت
أشواق التغيير تتدفق حولي كموج بحر هادر".
كانت مصر حاضرة هناك بأحزابها وحركاتها السياسية والاجتماعية الرسمية منها
وغير الرسمية المصرح بها وغير المصرح. والكل في حالة بحث عن طريق ثالث غير
طريق الحزب الوطني وطريق جماعة الاخوان ويسعي للخروج من حالة الاستقطاب
التي فرضت عليه.. فالحزب الوطني كسمكة فسدت من رأسها. وجماعة الاخوان لم
تزل في حالة الجمود التي عليها منذ رحيل قائدها المؤسس حسن البنا وليست في
موقف يمكنها من أخذ زمام المبادرة أو قيادة مشروع بناء مجتمع مصري حديث..
ومع تقديري لرأي د. نافعة إلا أن هناك عدة حقائق كان يجب مراعاتها بمنطق
الشفافية الذي يتحدث عنه وهي :
أولاً : الألف و200 شخص الذين تواجدوا بالمطار لحظة وصول البرادعي ليسوا هم
مصر بكل رموزها وطوائفها الذين تحدث عنهم د. حسن .. فلا يعقل أن يكون
"الممثل خالد أبوالنجا"!!! ممثلا لشباب مصر. ولا يمكن أن يكون جورج اسحق
وحمدي قنديل ممثلين لشيوخها.. كان المفروض أن ينقل د. نافعة ما شاهده وأنه
تمثيل فئوي نخبوي وليس استقبالاً شعبياً..
ثانياً : الشباب الذين تحدث عنهم د. حسن نافعة بأنهم جاءوا من كل محافظات
مصر نزلوا جميعاً من "أوتوبيسات" تحمل أرقاماً لمرور القاهرة. ولو كانوا
قادمين من المحافظات لحملت الأوتوبيسات أرقام مرور المحافظات المختلفة..
ناهيك عن أن اللافتات المرفوعة توحي بأنها خرجت من مطبعة واحدة لأنها
مكتوبة ببنط واحد ولون واحد و"قطع" الورق واحد وحملها قاهريون رددوا
الهتافات بلغة أهل القاهرة.. وكان يجب علي المنظمين أن ينتبهوا لذلك
فيجعلوا الهتافات بلهجة البورسعيدية والصعايدة وأهالي سيناء وأهل القناة..
اللهجة القاهرية جعلت الناس تعتقد أنهم جاءوا من ضاحية مصر الجديدة القريبة
من المطار.
ثالثاً: إذا كان د. حسن نافعة يري أن وصول البرادعي فجر شلال التغيير الذي
تنتظره مصر. فانني أقول له أن العالم الجليل لن يحرك شيئا.. وإذا كنا نريد
التغيير فيجب أن يأتي ذلك من خلال تعددية حزبية سياسية.. لابد أن تستعيد
الاحزاب مكانتها وتأثيرها في الشارع.. كان يمكن لهذه الاحزاب أن تستغل
الفترة السابقة "خمسة أعوام أو اللاحقة سبعة أعوام حتي انتخابات 2017" في
اختيار شخص يصلح للترشيح للرئاسة مستفيدا من التعددية التي اطلقتها مبادرة
الرئيس مبارك في 26 فبراير 2005 بفتح الباب أمام أكثر من مرشح ومن
التعديلات الدستورية التي تمت في مايو .2007
رابعاً: شباب المهجر الذين رآهم د. نافعة في المطار وصلوا بطريق المصادفة
في نفس توقيت وصول البرادعي ويستحيل أن يكونوا قد وصلوا خصيصا لتأييده..
فهذا كلام يخرج عن الواقعية التي ينبغي أن يتحلي بها استاذ جامعي صاحب
رؤية.
من أجل هذا كله ولكثير غيره
ينبغي أن يدرك البرادعي ان هناك كثيراً من منتهزي الفرص لا يرون بديلا عنه
لتغيير الأوضاع.. هؤلاء يتصورون ان وجود البرادعي يمكن أن يساعدهم أن
يكونوا أكثر قبولا في الشارع المصري.. ولهم نقول إذا كانوا يحاولون منذ
سنوات أن يلقوا القبول ومازالوا يجابهون بالرفض. فإن وجود البرادعي معهم
علي قيمته لن يضيف لهم شيئا ولن يصبغه بأفكارهم.. كما أن الرجل في تصوري لا
يقبل أن يكون مرددا لشعارات كالتي يطلقها الواقفون علي سلالم نقابة
الصحفيين..
الطريق الوحيد أمام البرادعي ومازال هناك وقت أن ينضم للهيئة العليا لأحد
الأحزاب ويقدم برنامجا يعالج مشاكل التعليم وتفاوت الدخول وتطبيق القانون
علي الوزير والخفير وتطبيق العدالة الاجتماعية فعلا لا قولا.. ساعتها سيكون
فعلا قد أحدث التغيير. وليس بطريقة د. حسن نافعة الطفولية..
|