محمد على إبراهيم .... رئيس تحرير الجمهورية

 

السيرة الذاتية | مصر المستقبل | حكايات اسبوعية | مختصر ومفيد | حوارات صحفية | البوم الصور

السبت 29 صفر 1431هـ - 13 من فبراير 2010 م


أحمد رجب .. وقلة من المحترمين!
 

من أكبر عيوب الشهرة الجشع إلي المزيد منها.. المشهور في مجال يريد أن يستحوذ علي كل المجالات أو أن يكون الأوحد.. ونلحظ ذلك في كثير من الأطباء أصحاب العلم القليل الذين ينتشرون في القنوات الفضائية يوميا يخبروننا عن اكتشافاتهم وطرقهم الجديدة لعلاج الأمراض المستعصية.. وأحيانا اتصور ان هذا العدد الهائل من الأطباء كفيل بأن يجعل مصر خالية من الأمراض أو شبه خالية.
نفس الحال بالنسبة لقضاة وسياسيين ومهندسين ونواب ووزراء سابقين تجدهم علي كل القنوات يشككون في الحكومة والدولة ويؤكدون أننا لا نعرف طريق النجاح لأننا لا نملك أدواته.. هؤلاء يتم تسويقهم للناس علي أنهم وحدهم أصحاب روشتة النجاح. وأنهم فقط "العالمون" ببواطن الأمور وإذا أرادت مصر التقدم فيجب أن يكون من خلالهم.
وهكذا تتحقق الشهرة لكل من يعارض أو يهجو أو ينقد.. وتدريجيا تلبست الفكرة أذهان المصريين حيث باتوا مقتنعين ان المعارضين هم فقط شرفاء هذا البلد وهم الذين يملكون شجاعة قول الحق ونقد النظام وبيان العيوب.. وللأسف أصبح هذا الشعور سائدا في المجتمع كله.
رأيي الشخصي أن هناك معارضة في كل مكان.. الرأي الآخر المحترم يحتفي به أكثر من الرأي المؤيد.. وسأضرب مثالا بعبقري نحترمه جميعا ويشوي الحكومة يوميا وهي تضحك معه ولا تغضب منه لأنه "استاذ" ودمه خفيف.. وأتحدث عن أحمد رجب الذي تقرأ مصر سطوره الخمسة كل يوم في "نصف كلمة" ويكتسب الاحترام من الجميع.
لقد شرفت بمقابلة الاستاذ عدة مرات وتناولت العشاء معه أكثر من مرة ووجدت أن أهم ما يميزه ان "سكينه" الحاد في الكتابة لم يتحول إلي خصومة مع أحد.. لم يعاد وزيرا أو مسئولا.. كل شخصياته التي اخترعها مثل "كمبورة" و"جنجخ" و"عزيز بك الأليت" و"قاسم السماوي" هي من بنات أفكاره واعتبرها أجزاء منه ارتبطت به وارتبط بها.. غضب عندما وجد شخصياته في مجلة أخري غير الأخبار.. وهو يري ومعه الحق انه صاحب الابتكار وليس الرسام العبقري الموهوب مصطفي حسين.
وقد عرفت أشياء كثيرة عن الاستاذ جعلتني احترمه أكثر وأقدره إلي حد بعيد.. في شبابه كان محط أنظار جميلات وفاتنات. لكنه يرفض دائما بأخلاق الفرسان أن يتحدث عن سيدة أو امرأة.. وأذكر عندما صدرت صحيفة خاصة قبل ستة أعوام أنهم حاولوا استقطابه ليكتب نصف كلمة عندهم ورفض بإصرار.. طلبوا منه الكتابة بأية صورة يرتضيها وبأي مبلغ وعرضوا رقما فلكيا فقال "ليس للأخبار ضرة".. حتي عندما رضخ لضغوط اصدقائه للمساهمة مرة واحدة أسبوعيا في صحيفة "الشروق" مع مصطفي حسين. اختار فكرة جديدة تماما لم يسبق له تقديمها في الأخبار وهي حوار خيالي مع أحد المسئولين بعنوان "حديث لم يحدث".
أحمد رجب خير مثال علي الصحفي المعارض المحترم الفارس الذي لا يغير مبادئه ولا يبيع قلمه أو يتاجر بإنتاجه.. وعندما يغضب يتوقف. وعندما يغضب جدا يقاطع.. لكنه لا يسب ولا يسف.. أخلاق انبياء يندر أن تجدها في هذا الزمن الرديء.
دائما أضرب به المثل للشباب.. فقد اشتهر وهو يكتب في مكان واحد ومكتب واحد بالمبني القديم للأخبار.. اشتهر وهو يكتب ضد الحكومة في عصور عبد الناصر والسادات ومبارك.. عرف كيف يكون قاسيا وناعما.. يضرب بالقاضية في قفاز من حرير.. انه نموذج فريد اطال الله في عمره للكتابة المعارضة في صحيفة قومية كبري.. أرثي والله للمطولات التي نكتبها.. والملاحم التي يكتبها الزملاء ولا تحقق واحدا علي ألف من تأثير هذا العبقري.
اشتهر أحمد رجب لأنه لم يغير بيته ولا أسلوبه.. ليس مثل بعض الصحفيين الذين أصبحوا كراقصات الأفراح فيؤدين نمرتهن في أماكن مختلفة كل ليلة ليحصلن علي النقود والصيت والشهرة. وينسين "المولد" الذي بدأن فيه.
إنني أقدر الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الجميع. لكنني في الوقت ذاته أحترم الانتماء والإخلاص.. هناك قلة مثل أحمد رجب رفضوا العمل في أي مكان خارج بيتهم مثل الاستاذين محمد العزبي وإبراهيم سعدة اللذين رفضا أموالا كثيرة للكتابة في غير الصحف التي يكتبان بها.. صحيح هناك آخرون يكتبون في 900 صحيفة وبعضهم يكتب مقالا في صحيفة قومية ومجلة اسبوعية قومية بنفس العنوان!! بالإضافة لعشرات الصحف والمجلات الأخري.. طبعا هؤلاء اساتذة ليس في ذلك شك.. لكن الاحترام شيء صعب جدا في هذا الزمن.. فرق كبير أن يعرض عليك الكتابة في مكان آخر فترفض وبين أن تطارد معارفك واصدقاءك لتكتب.. من المحترمين كذلك محفوظ الأنصاري الذي رفض أن يكتب في أي مكان حتي جريدته "الجمهورية" واعتبر انه أدي رسالته في الحياة السياسية بخروجه إلي المعاش.. أعرف قدرات محفوظ وهو يستطيع تقديم عدة كتب عن 21 عاما عاشها في السلطة وقريبا من الرئاسة.. لا أنسي أيضا الاساتذة إبراهيم نافع وجلال دويدار ومحمد وجدي قنديل والراحل سعيد سنبل.
وفي النهاية أوجه تحية للمبادئ النادرة في عالم الصحافة.. تحية لأحمد رجب وقلة من المحترمين وقليل من المنتمين لمهنة تتسارع معاول كثيرة في هدمها علي رءوس أصحابها. والمحزن أن كثيرا من أصحاب المعاول ليسوا من أصحاب المواهب.. الصحفيون وأنا أولهم يكتبون إما للمنصب أو للانتشار أو بالعلاقات والصداقة أو لمنافع مالية أو لشهرة .. أو.. أو.. وكلهم معذورون أو لديهم أسبابهم الاقتصادية أو الاجتماعية.. لكن المؤكد أن نموذج أحمد رجب وغيره قد أصبح نادر الوجود.

 

| خريطة الموقع
| اتصل بنا
| بيان الخصوصية

  جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر ©