محمد على إبراهيم .... رئيس تحرير الجمهورية

 

السيرة الذاتية | مصر المستقبل | حكايات اسبوعية | مختصر ومفيد | حوارات صحفية | البوم الصور

الاربعاء 26 صفر 1431هـ - 10 من فبراير 2010 م


الدولة والجيش .. ثنائية فريدة لمصر
القوة للدفاع والردع .. وليس للاعتداء والغزو!
 

منذ قديم الأزل تميزت مصر بخصوصية فريدة وهي أن جيشها سبق الدولة.. الدولة ابنة الجيش في طيبة القديمة أيام الفراعنة وفي مصر القبطية والإسلامية وانتهاء بعصر محمد علي والثورة.
كان الفرعون هو قائد الجيش ورأس الدولة.. الرسومات علي المعابد تقول إنه كان في طليعة المقاتلين.. يحمي بلاده.. رعاياه يرون أنه الحامي قبل أن يكون الحاكم.. في كل دول العالم الجيش يخرج من رحم الدولة وهو ابنها.. في مصر الدولة هي ابنة الجيش.. كانت هذه الحقيقة الساطعة في أيام الفراعنة.. ثم عندما انهارت آخر أسر الفراعنة وهم البطالمة وقام الرومان باحتلال مصر.. توارت الدولة المصرية وجيشها وتولي آخرون الدفاع عنها.
الجيش عاد ليتصدر المشهد مع الفتح الإسلامي لمصر علي يد عمرو بن العاص.. مرة أخري يبرز جيش القائد الإسلامي قبل الدولة.. لأول مرة يتعاون أهل بلد مع فاتح.. تعاون المصريون مع عمرو لهزيمة الرومان.. كان جيش عمرو بن العاص أول من أرسي أسس دولة حديثة في مصر استنادا إلي تشكيلات الجيش.. الحصون والقلاع كانت بداية لنشوء المدن السكانية حولها.. الجيش الإسلامي بني الحصون وكانت تغلق مساء بعد أن يعود الفلاحون والصناع والجنود والإداريون إلي داخل المدينة.. المدينة نشأت في باطن الحصن ومن حوله.
ثم جاء محمد علي باني الدولة المدنية الحديثة وأحدث التغيير الحقيقي.. بني الجيش.. وضع اللبنة الأولي للكلية الحربية.. كان أول أجنبي في التاريخ يطالب به الشعب حاكما.. طالبوا به حاكما لأنه جاء كرجل عسكري.. لم يجئ في جيش.. لم يرسل في طلب أولاده وزوجته إلا بعد 5 أعوام من مجيئه.. عندما وصل محمد علي لمصر في بداية القرن التاسع عشر وتحديدا بعد 1807 لم يكن في مصر دولة.. كانت ولاية داخل الخلافة العثمانية تتبع السلطان التركي أو الباب العالي.. وتحولت إلي اقطاعيات للمماليك الذين انشأوا ابعديات سموها دولا لكنها لم تكن أكثر من عزب.. المماليك البرجية والمماليك البحرية والمماليك الجراكسة.. 500 عام من الفوضي.. دولة بحجم مصر لم يكن بها مستشفي أو مدرسة أو زراعة حديثة.. لم تعرف المطبعة إلا بعد نابليون عام ..1798 لم يكن هناك صحف.. حدثت ثورتا القاهرة الأولي والثانية.. جاء محمد علي.. قضي علي المماليك أنهي التبعية لتركيا أو العثمانلية.. قال إنه لن يكون والياً إلا لدولة حديثة.. قبل الدولة فكر في الجيش.. الجيش هو الذي يتولي إنتاج الدولة.. لم يعترف العالم بمحمد علي وأسرته التي تحكم مصر إلا في اتفاقية لندن ..1840 عندما قاد ابنه إبراهيم باشا حملات فتح الحجاز والسودان وطرق أبواب القسطنطينية.. اعترف العالم بمصر القوية وجيشها.. هنا فكر محمد علي في أن يكون لمصر طلاب علم وأصحاب مهن وتجار "رجال أعمال العصر الحالي".. وكان أن بدأ في إرسال البعثات إلي أوروبا.. وأقام المشروعات في مصر الزراعية "القناطر الخيرية" وانشأ مدرسة الألسن والترسانة البحرية ومطبعة بولاق ومدينة الحرفيين.. صار لكل مهنة شيخ.. أصبح هناك شيخ الحدادين والفحامين والنجارين والعطارين وغيره.. كل هذا نشأ بعد الجيش القوي الذي فرض اسمه وسمعته علي العالم كله.. فنشأت الدولة القوية.. الجيش القوي هو الذي قاده عرابي عام 1881 ليعرض مطالب الشعب علي حكم انحرف عن مساره.. لذلك عندما جاء الاحتلال الانجليزي لمصر كان أول قرار هو تسريح الجيش الوطني.. تصوروا أن الدولة ستنهار إذا سرحوا الجيش.. لكنهم نسوا ان الجيش تسبب في إنشاء جامعات ومصانع ومدارس خرجت منها ثورة سلمية عام .1919
ظهور إسرائيل للوجود عام 1948 كان نتيجة لمؤامرة استعمارية وأيضاً للتدهور الذي لحق بالجيوش العربية ومنها الجيش المصري.. لذلك تم تصحيح المسار في ثورة يوليو 1952 وكان من أهم مبادئها إقامة جيش وطني قوي.. هذا الجيش هو الذي نقل السلطة لأول مرة منذ أكثر من ألفي عام من أسرة محمد علي والحكام الأجانب والمستعمرين إلي ايدي المصريين.
رجال يوليو.. الثوار.. جاءوا من القوات المسلحة.. لهم اخطاء كبري أهمها النكسة.. واحتلال الأرض.. لكن الجيش ينتفض مرة أخري علي اخطائه.. يصحح المسار.. تجيء حرب الاستنزاف.. ويشرق نصر ..1973 تأخذ إسرائيل علقة موت.. تتغير موازين القوي في الشرق الأوسط.. سال الدم الاسرائيلي.. فقدوا خمسة آلاف في حرب مريرة.. أسروا وذاقوا الهوان.. وأجابت القوات المسلحة علي السؤال الهام هل إسرائيل لا تقهر؟.. قهرت وبكت ولبست السواد وأعلنت الحداد ولطمت جولدامائير.. هذا النصر الذي تحقق عام 1973 هو الذي فتح الطريق أمام أشياء كثيرة نعيشها اليوم.. نصر القوات المسلحة هو الذي أقام الدولة الحديثة التي ننعم بها الآن..لم نكن لنستطيع إقامة حياة ديموقراطية بدون انتصار الجيش في الحرب.. لم نكن لنستطيع التمتع بكامل السيادة علي اراضينا لولا القوات المسلحة وما فعلته يوم 6 أكتوبر ..1973 ربما يكون للبعض ملاحظات علي معاهدة السلام التي وقعتها مصر مع إسرائيل.. وربما يكون هناك تصور لدي آخرين أن مصر خرجت من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي.. ورأيي الشخصي ان القوات المسلحة تملك الردع الآن وهو أقوي عزماً وأمضي تأثيراً من أسلحة الهجوم والدفاع.. الردع قوة نفسية تلجم المعتدي وهو الذي يشعر بتفوقها.. جيشنا درع الوطن.. إليه نلجأ إذا ما اعترانا شك.. وإليه نطمئن إذا ما ضعفت النفوس. وبرأيه نستنير في مقومات الدفاع عن الوطن وردع من تسول له نفسه.. وبه نهتدي إذا ما تشابكت الطرق وتكاثفت السحب.
القوات المسلحة المصرية هي سر هذه الأمة ومكمن قوتها ومناط عزمها وهمتها.. لقد شهد الرئيس مبارك يوم الأحد الماضي الاحتفال بيوم تفوق الجيش الثالث في شرق قناة السويس حيث كان أبطال وجنود وقادة هذا الجيش في طليعة المحاربين الذين حرروا سيناء في حرب أكتوبر المجيدة.
إن ما شهده الرئيس مبارك في هذا اليوم التاريخي يؤكد أن قواتنا المسلحة لم تتوقف عن تطوير نفسها وأدواتها.. رفعت المستوي المهاري للمقاتل أساس الحرب.. شهد الرئيس والحضور كيف تؤكد القوات المسلحة يوماً بعد آخر قدرتها علي رفع كفاءة المقاتل بغض النظر عن السلاح الذي يستخدمه.. ليس مهماً التكنولوجيا المتقدمة للسلاح وارتفاع ثمنه ولكن المهم تحويل أي سلاح حتي لو كان يدوياً إلي أداة للدفاع وتدمير الأعداء.
سيذكر التاريخ لرجال الجيش الثالث والعسكرية المصرية انها بدأت الصحوة يوم 8 مارس 1969 عندما أعلنت حرب الاستنزاف التي دمرت خط بارليف وتجمعات العدو واحتياطياته المدرعة والميكانيكية وغيرها.
كنت أتمني أن يكون حاضراً معي بعض الأقلام المعارضة التي تشكك فيمن هو عدو مصر الآن؟ وهل أصبحنا نعادي الفلسطينيين بدلاً من إسرائيل!! مسرح العمليات كان عبارة عن مناورة مصغرة تضمنت قيام سلاح المهندسين بإنشاء كوبري متحرك فوق قناة السويس في فترة زمنية قياسية بالاضافة إلي إقامة المستشفيات الميدانية لإخلاء المصابين وكذلك عروض متميزة للأداء البدني والرياضي ل 10 آلاف مقاتل.
انني أتساءل دائماً عن روح الإصرار والتحدي التي يتحلي بها قادة القوات المسلحة. ويبدو أن جينات التفوق العسكري الكامنة لدي المصريين تنتقل من جيل إلي جيل بسرعة.. السلام لم يمنع قواتنا المسلحة من التفوق الميداني.. المنظومة التي شاهدناها تؤكد مقدرة الدفاع الجوي والمدفعية ومشاة الاقتحام والعبور من تحقيق توافق ميداني باهر يُخضع العدو للسيطرة المصرية في دقائق.
إن أجمل ما في القوات المسلحة أنها مازالت قادرة علي تأهيل المؤهلات العليا المدنيين للانخراط في تدريب عسكري والتخرج في الكلية الحربية في وقت قياسي "9 أشهر".. الأمر الذي يؤكد ان مصنع الرجال قادر علي تحويل الأفراد العاديين إلي مقاتلين محترفين ونظاميين في وقت قياسي.. وهذا بالمناسبة إحدي وسائل الردع حيث تتمكن القوات المسلحة من تجهيز عدد لا نهائي من الشباب للقتال في الكلية الحربية وبرامجها المتقدمة التي يشرف عليها المشير حسين طنطاوي وزير الدفاع بنفسه ويلتزم بتنفيذ برامجها اللواء أ. ح محمد علي فليفل مدير الكلية وقد ظهر هذا واضحا في يوم تخريج المؤهلات العليا المدنيين من الحربية.
قدرة القوات المسلحة لا نهائية في التخطيط والتعليم ورؤية المستقبل واستشعار قوة العدو ورصد نقاط ضعفه وقوته.. التخطيط والعلم والخبرة والكفاءة القتالية والرياضة البدنية ومهارة استخدام السلاح إلي جانب عوامل أخري هو ما يميز القوات المسلحة المصرية.. لكنها في المقام الأول "منظومة" دفاع وردع وتفوق حققت الانتصار في ظروف صعبة جدا وهي قادرة علي حماية دولة حديثة وديموقراطية نشأت من رحم أكتوبر واكتمل نضجها بقيادة حكيمة لابن من قادة أكتوبر هو الرئيس حسني مبارك.

 

| خريطة الموقع
| اتصل بنا
| بيان الخصوصية

  جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر ©