|
الاثنين 10 صفر 1431هـ - 25 من يناير 2010 م
لقد أعذر من أنذر
شموخ الأقوياء
المدارس والمستشفيات لا تفرق في العلاج والتعليم
لم يكن الرئيس مبارك يلقي خطاباً عادياً في احتفال عيد
الشرطة أمس ولكنه كان يعطي دروساً في الزعامة والشموخ ومصداقية القائد أمام
شعبه.
سيتحدث التاريخ عن زعيمنا باعتباره باني مصر الحديثة والمحافظ علي
استقرارها وسيادتها واستقلال قرارها ووحدة أراضيها.
لم يؤسس الرئيس دعائم حكمه علي معسول الكلام ومعارك التصريحات الإنشائية.
ولكنه وضع منذ اللحظة الأولي التي تولي فيها الحكم هدفاً أمام عينيه وهو أن
مصر العظيمة قدمت الكثير لغيرها وأنكروا عليها صنيعها.. لذا آن الأوان أن
تبني لنفسها ولشعبها ما يؤمن غدها ويرفع مستوي معيشة أبنائها.
منذ اللحظة الأولي لتوليه السلطة في مصر وضع الرئيس مبارك خطاً فاصلاً بين
من سبقوه وبين عصر خطط أن يكون للمصريين فيه كرامتهم وعزتهم وأمنهم ووحدتهم
الوطنية.
كان الرئيس مبارك يدرك بحكم خبرته بالحكام والشعوب أن هناك غيرة شديدة من
مصر بعد أن حصلت علي أرضها بالحرب والسلام.. هذه "الغيرة" لم تجعله ينزلق
إلي ما أرادوا أن ينزلق إليه في حرب كلامية واتهامات بالتخوين والعمالة
والتحالف مع اسرائيل وأمريكا.. سمعنا هذه الاتهامات اثناء فترة المقاطعة
العربية قبل 1989 فيما عرف بجهد الصمود والتصدي.. وعرفناها بعد أن وقفنا
موقف الحق من قضية احتلال صدام للكويت.. وخبرناها في حرب لبنان 2006
وانقلاب غزة 2007 ثم في الاجتياح الاسرائيلي الأخير لقطاع غزة في يناير
2009 وكيف بذلت مصر الجهد الكبير لإيقاف اطلاق النار واصدار قرار مجلس
الأمن وانعقاد مؤتمر اعمار غزة والسعي حثيثا لاتمام المصالحة الفلسطينية
لقطع الطريق امام اسرائيل. ورغم هذا كله وكثير غيره فإن مصر تواجه هجوما
اعلاميا وفضائيا عنيفا يتهمها بكل ما في قاموس السباب السياسي لإغلاق معبر
رفح الذي لا يعلم كثيرون ان هناك اتفاقية تنظم فتحه وان المسئول عن اغلاقه
المستمر هي "حماس" وليست مصر.. فحماس هي التي طردت رجال السلطة الفلسطينية
والحرس الرئاسي من علي المعبر بالإضافة لممثلي الاتحاد الأوروبي وبهذا
أصبحت اسرائيل بمقتضي اتفاقية المعابر هي المسئولة عن اغلاقه المستمر كونها
قوة الاحتلال.. ومع ذلك لحق بمصر الكثير من الاهانات والتطاول من صغار إذا
ما قررنا فتح خزائن اسرارهم لن يسترهم ورق التوت وستضحك منهم الأمم ويتندر
عليهم شعوبهم.. لكن مصر كبيرة وعظيمة.. وزعيمها يتمتع بشموخ الأقوياء. جاءت
الأعمال الهندسية التي نقيمها علي حدودنا الشرقية درءاً للأخطار وحماية
لحدودنا التي انتهكها مجرمون وإرهابيون من شرار الناس تحت زعم انهم يساندون
المقاومة فتسببوا في تفجيرات دهب وشرم الشيخ وطابا والقاهرة.. وتحولت
حدودنا التي من المفروض انها تحمي سيادتنا إلي خطر يهدد أمننا وأرواح
وأرزاق المصريين..
واندهشنا ان هذه الإنشاءات التي تدخل في صميم سيادتنا وقرارنا المستقل
وسابق رفضنا للدخول في تحالف أمني يضم إسرائيل وأمريكا. قد أصبحت عرضة
للهجوم اليومي والتعريض بمصر وبقيادتها وشعبها..
وإذا كانت مصر قد تحملت ما تحملته من أجل الفلسطينيين عن طيب خاطر. ومازالت
راغبة في تحمل المزيد. إلا انها لن تقبل أبداً كل حين أعذاراً عن جرائم
ترتكب ضد أبنائنا فتسفك الدماء الذكية الطاهرة. ويهب حمقي ومأفونون للقول
بأن ما حدث مع القاهرة مجرد سحابة صيف.. وكان الرئيس بليغا وهو يقول لهم:
"ما أكثر سحاباتكم" في إشارة واضحة بأنهم قوم لا يتعلمون من أخطائهم
ويطمعون دائما في سماحة مصر وسعة صدرها.. لكن مصر فاض بها الكيل وهي تجد
هذا ينبح ضدنا مستخدما نقوده. وذاك يطلق خزعبلاته مستنداإلي أسياده من
الفرس. وثالث يسعي إلي ضرب إسفين بين مصر والسعودية زاعما أن الزمن تخطانا
.
مصر صبرت علي الصغائر ليس عن ضعف ولكن لشموخ الأقوياء الذين يربأون أن
يقذفوا الأحجار علي ناقدين يعيشون في بيوت زجاجية وتبدو سوءاتهم لنا ونمتلك
أدلة عليها وتوقيتات وأرقاماً وتسجيلات. لكننا لا نكشف ما في أيدينا ترفعا
وزهدا في شجار أو تلاسن يجرح ويدمي من هم في منزلة الأشقاء الصغار.. لكن آن
للصغير أن يعقل ويبلغ الحلم وحان وقت العاق كي يثوب إلي رشده.
إن حقوقنا وسيادتنا وقرارنا ليسوا محل نقاش.. لا نأخذ إذنا من أحد. ولا
نطلب رضا ولا نهتم لغضب أو نقد ممن باعوا سيادتهم ورهنوا إرادتهم ورفضوا
التسوية السلمية لأنهم عرفوا أنهم سيكونون مطالبين بدفع ثمن استحقاق السلام
لشعوبهم من ديمقراطية وتعددية حزبية وحرية صحافة.
هناك فارق كبير بين من يعمل لصالح الفلسطينيين ومن يزايد ويتاجر
بمعاناتهم.. ومصر لن تستدرج او تنزلق إلي مهاترات. فهي إن غضبت يكون الغضب
نبيلاً وليس مسفاً.
حقوق مصر في صيانة حدودها وسيادتها علي أرضها ليست محل نقاش أو خلاف.. وعلي
الذين يلوحون بالمقاومة أن يدلونا علي ما انجزوا بها غير الشعارات
و"الطنطنة".. وصدق الرئيس مبارك عندما قال انهم لا قاوموا ولا سلاما صنعوا.
كانت رسالة الرئيس مبارك أمس واضحة وصريحة.. مصر أولا.. وحدتها الوطنية
لامساس بها.. لانقبل العبث بجبهتنا الداخلية ولا الوقيعة بين المسلمين
والاقباط.. مبارك في عنقه مسئولية كبري هي أمن مصر القومي. وهي أهم قضية
يحرص عليها ولايفرط فيها.. يستحيل أن يسمح المحارب العظيم وبطل أكتوبر الذي
شهد أمام عينيه اختلاط الدماء المسيحية والمسلمة في الحرب. بتسلل الفتنة
إلي مصر.. نراها تشتعل حولنا في السودان والعراق واليمن ولبنان.. والفتن
متنوعة منها ماهو مذهبي وبعضها قبلي ومعظمها ديني.. ولن تكون مصر ابدا التي
حماها الله علي مدار التاريخ موطنا للاستقواء بالخارج أو وطنا تذهب فيه كل
طائفه بجزء تحت دعاوي تقسيم أو "محاصصة" علي أساس العرق أو الدين. ولعل من
أهم رسائل الرئيس مبارك أمس هو مناشدته لعقلاء الأمة وحكمائها من المسلمين
والأقباط التصدي للتطرف.. وخير وسيلة لهذا التصدي هو أن يسارع المسلمون
والأقباط لبناء المدارس والمستشفيات ومساعدة الفقراء.. المدارس تعلم أبناء
المصريين بغض النظر عن كونهم مسلمين أم أقباطاً.. والمستشفيات تعالج الجميع
بلا استثناء.. هذا هو أساس الدولة المدنية الحديثة.. الجنسية تسبق
الديانة.. المصرية والمواطنة تتقدم علي قبطي ومسلم.. الدين لا يحقق ميزة
لأغلبية أو أقلية.. الجميع سواسية.. المصرية هي مظلة الحقوق والواجبات..
مشاكل التعليم والعلاج والسكن والوظائف يعاني منها المسلم والقبطي.. لا
تزايدوا علي هذا البلد ولا تغذوا فتنة تريدونها أن تتحول لأتون ملتهب..
اتقوا الله في مصر وطنكم الواحد المشترك.. أما دينكم ومذاهبكم وحسابكم
وعذاب القبر وكل هذه الفتاوي من الجانبين فمكانها في المسجد والكنيسة وليس
في الشارع.. الله يعرف ما في قلوب الناس ولسنا نحن.. وهو الذي سيحاسبهم
وليس البشر.. فاعقلوا!
|