محمد على إبراهيم .... رئيس تحرير الجمهورية

 

السيرة الذاتية | مصر المستقبل | حكايات اسبوعية | مختصر ومفيد | حوارات صحفية | البوم الصور

السبت 8 صفر 1431هـ - 23 من يناير 2010 م


الأمن والمواطن.. والديمقراطية "1"
حقوق الإنسان أهم من سلامة الضابط!
مبدأ هام .. السلاح للمجرم وليس المتظاهر!
 

الدنيا تغيرت ونحن مازلنا نفكر بطريقة الستينيات.. نتصور أن رجال الشرطة جلادون يسحلون المواطنين ويعذبون المتهمين ويسومون الشعب سوء العذاب.
لو فكرنا قليلا سنجد أن رجل الشرطة جزء من المجتمع الذي يعيش فيه.. وهو ترجمة لسياسة وسلوك الدولة التي يعمل من خلالها.. في الدول الديكتاتورية يصبح الأمن وحشا ينهش الشعب ويخضعه لرغبات الحاكم.. ليس في الدول الشمولية فقط ولكن أيضا في الدول الديمقراطية التي يشيدون بها في صحفنا الخاصة ويضربون بها المثل في الحرية ويدافعون عنها كنموذج مثالي وأقصد علي سبيل المثال إيران.
شهدنا كيف تعاملت الشرطة الإيرانية بشراسة بالغة مع مظاهرات المعارضة ووصل الأمر إلي حد قتل احداهم وهي ندي سلطان بالإضافة إلي جرح المئات وذلك خلال الاحتجاجات علي نتائج الانتخابات الرئاسية بطهران ثم ما لبث أن تكررت المواجهة القاسية مع الشرطة في جنازة آية الله منتظري وأدي التصادم مع المتظاهرين إلي وقوع إصابات.
لن أضرب هنا مثالا بالولايات المتحدة التي أدي عنف الشرطة فيها إلي اندلاع أحداث لوس انجلوس بين الملونين ورجال البوليس. وأدي مقتل "رودني كنج" في هذه الأحداث عام 1992 إلي أصعب مواجهة بين الشرطة والشعب.
ولن أضرب مثالا بما فعلته الشرطة الفرنسية للسيطرة علي الشغب في مرسيليا واطلاقها للرصاص الحي. ولا الشرطة الصينية في أحداث ميدان السلام السماوي عام 1989 ومقتل الآلاف من الصينيين.
لكني سأتحدث عن الشرطة المصرية وما تفعله في المظاهرات وآخرها ما حدث من تجاوزات المشاركين في قافلة شريان الحياة 3 الذين احتجوا أمام السفارة الفرنسية بالقاهرة وقطعوا الطريق أمام المرور وتسببوا في إرباك الحركة المرورية لفترة طويلة.. كان البوليس المصري يحمي المظاهرة.. لم يرفع أحد اصبعا في وجوههم.. حتي عندما تهوروا وبدأوا في تكسير السيارات والممتلكات في العريش تم احتجاز بعضهم ليوم واحد ثم تم الإفراج عنهم بعد ذلك.
مصر تغيرت.. وتغير معها رجل الشرطة.. وزارة الداخلية المصرية هي أقدم جهاز أمن في الشرق الأوسط وافريقيا وتسبق بعض الدول الآسيوية والأوروبية.. عمرها 131 عاما.
وزارة بكل هذا التاريخ لا يمكن أن تظل جامدة ومتحجرة أمام المتغيرات التي طرأت علي المجتمع في مصر.
ما أسهل أن تقمع المعارض وتسحله وتضربه. وما أصعب أن تخضعه للقانون.. المناخ الجديد الذي يسود حالياً بين رجل الأمن والمواطن جعل الأخير مقتنعاً بأنه سيأخذ حقه من ضابط الشرطة في أي مكان وتوقيت.. الديمقراطية تجعل المواطن ورجل الشرطة نديّن.
الفضائيات والصحف والأحزاب والبرلمان كلها مستعدة لذبح رجل الأمن لو صدر عنه ما يهين كرامة المواطن أو آدميته أو ينتهك حقوقه.
الضابط بدوره يعلم أن انتهاك حقوق الإنسان صار تهمة تلتصق بالدول وليس بجهاز الشرطة فقط.. رجال الأمن يدركون حجم التهديدات والمؤامرات التي تتعرض لها مصر في الخارج. وما يمكن أن تؤدي إليه حوادث انتهاك حقوق الإنسان.. هناك من يهمه في أمريكا أو بأوروبا تشويه السلطة في مصر. ولعل تعليق 200 مليون دولار من المعونة الأمريكية للقاهرة بسبب مزاعم عن ضرورة تحسن ملف حقوق الإنسان هي أكبر وازع لدي الضباط كي يدركوا أهمية مراعاة البعد الأمني والإنساني في نفس التوقيت.
إننا نعيش في مجتمع يسمح بتداول كليبات واعترافات لمن انتهكت كرامتهم في أقسام الشرطة.. ونتذكر جميعاً حادث "عماد الكبير".. لكننا ننسي دائماً أن الشرطة هي التي اهتدت للضابط المخطئ وأرشدت عنه ولقي عقابه أمام القانون.. هذا بلد يسري فيه القانون علي الضابط قبل المواطن.. القانون لا ينظر إلي رتبة الضابط عند محاكمته ولا إلي مهنة المواطن بحيث تحصل الرتب الكبيرة علي البراءة والفقراء ينالون الإهمال.. لم يعد هذا يحدث في مصر.
هناك مواءمة جيدة جداً لرجال الأمن.. يتعاملون بالحسم والصلابة مع المرونة وروح القانون.. لم يعد هناك تعذيب وضرب وسياط علي العروسة الخشبية التي نشاهدها في فيلمي "الكرنك" "ووراء الشمس" وغيرهما.. العنف يكون مع المجرم المسلح وليس مع المشتبه به.. الضابط لا يطلق رصاص سلاحه الميري إلا عند الاشتباك مع عصابة مسلحة أو قطاع طرق.. ولعل هذا ما يزيد من عدد شهداء الشرطة كل عام.
يوم 25 يناير عندما يكرم الرئيس مبارك أسر الشهداء تفاجأ كل عام بأرملة شابة أو أكثر كانت تحلم بحياة سعيدة مثل كل الفتيات مع زوج أحبته فإذا بيد آثمة مجرمة تنتزعه منها ومن طفل صغير وأحياناً جنين لم يأت بعد. وعندما تكتحل عيناه بنور الدنيا يفاجأ بأنه لن يري أباه إلا في الصور لأنه شهيد.
هناك صياغة جديدة للعلاقة بين المواطن ورجل الشرطة.. وهي صياغة تقوم علي التعاون بين الاثنين وليس علي سيطرة الأمن علي الناس.. وصدقوني هناك دلائل كثيرة علي أن العلاقة تسير في اتجاه إيجابي صحيح وبدأ المواطنون يلقون معاملة محترمة في أقسام الشرطة وفي تحقيقاتها.. أما غير ذلك فهو محاولة لتشويه دور الأمن وخلق حالة عداء بينه وبين المواطن ليحدث الفراغ الذي ينشده المتربصون بأمن مصر.. لو اهتز التلاحم بين المواطن وشقيقه رجل الأمن سيمكن للخفافيش وطيور الظلام أن تعشش في جحور الوطن وتستعد للانقضاض في يوم تضعف فيه الجبهة الداخلية ويتزعزع استقرار الوطن.. ونكمل غداً.

 

| خريطة الموقع
| اتصل بنا
| بيان الخصوصية

  جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر ©