|
الجمعة 7 صفر 1431هـ - 22 من يناير 2010 م
لماذا ذهبت سكوبي للبابا شنودة؟
ولماذا لم يذهب الوفد الديني الأمريكي لنيجيريا ؟
عندما جاء الرئيس الأمريكي أوباما إلي القاهرة وألقي في
جامعتها خطابه التاريخي عن ضرورة تحسين العلاقة بين الاسلام والأديان
الأخري واقامة جسور من التفاهم بين العالم الاسلامي والغرب. لم أكن متفائلاً
جداً.. قلت لنفسي ما يقوله الأمريكيون وهو "لننتظر ونر".. لم أذهب إلي ما
ذهب اليه آخرون عندما قالوا أفلح ان صدق. ولكني كنت انتظر شيئاً آخر!!
فالولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمي الوحيدة في عالم اليوم لها ثوابت
في سياستها الخارجية لا يمكن أن يغيرها شخص حتي لو كان له "كاريزما" أوباما
وسحره.
فقد حدث نفس الشيء مع الرئيس بل كلينتون الذي كانت له علاقات طيبة جداً مع
العالم العربي وكاد يحل القضية الفلسطينية. لكنه لم يستطع التخلص من
التأثير اليهودي عليه وعلي سياسته. كما أن أصابع إسرائيل لم تظهر في
افريقيا الا في فترتي حكمه اللتين استمرتا من 1992 حتي عام .2000
أعود لخطاب أوباما في جامعة القاهرة يوم 4 يونيو الماضي فأقول إن الجميع
نظر اليه باعتباره مرحلة جديدة بين الاسلام العربي والمسيحية الغربية! لكن
أنا رأيته علي انه "اعادة صياغة" للعلاقة المتوترة.. حقنة مسكنة تحتاجها
أمريكا لتهدئة التطرف ومحاصرة تنظيم "القاعدة" واكتساب تعاطف العالم
الاسلامي في الحرب ضد الإرهاب.. وتحقق لها ما أرادت.. وخف الضغط الإعلامي
والصحفي علي واشنطن في العالمين العربي والإسلامي.. لكن الحقيقة اننا كنا
ننتظر اندلاعا مفاجئاً لأزمة ما لنضع خطاب أوباما في جامعة القاهرة موضع
الاختبار.
لم نكن نريد أن نصدق أن مظاهرات الأقباط في واشنطن أو نيويورك تحظي بمساندة
رسمية أمريكية الا اذا ارتبط ذلك بحادث ما في مصر! ولم نكن نسيء الظن
بزيارات كثيرة يقوم بها أقباط لأمريكا أو لقاءات تجمعهم بسعد الدين إبراهيم
مدير مركز ابن خلدون المقيم في الولايات المتحدة باعتباره يحمل جنسيتها..
عرضنا أكثر من مرة للقاءات سعد الدين مع أقباط المهجر والبهائيين
والقرآنيين ونوهنا إلي أن هناك شبهة اتصال بين أقباط الداخل وأقباط الخارج
وبين وفد الحريات الدينية الأمريكي الذي يجوب العالم باحثاً بإبرة صغيرة عن
خلافات طائفية ومذهبية فيسكب عليها النار ليزيدها اشتعالا ويفتح الباب علي
مصراعيه لتدخل أمريكا ومحاولة فرض سيطرتها علي مقدرات الشعوب.. ولكننا لم
نقطع الشك باليقين إلا مؤخراً.
لقد كتبت يوم الاربعاء الماضي أحذر من وصول وفد الحريات الدينية إلي مصر
قادما من السودان بعد أن نجح عبر عدة محاولات في فصل هذا البلد العربي
الشقيق الي شمال مسلم وجنوب مسيحي وأن هذا التقسيم سيتخذ شكلا رسميا بعد
استفتاء 2011 وأهبت بالاقباط العقلاء أن يمتنعوا عن عقد أي لقاءات مع هذا
الوفد.
ويبدو انني كنت اطالع المستقبل.. فبعد ظهور المقال توجهت السفيرة الامريكية
بالقاهرة السيدة مارجريت سكوبي لمقابلة البابا شنودة وأعربت عن قلقها
لاحداث نجع حمادي وتعاطفها مع الشهداء الذين لقوا مصرعهم في هذا الحادث
"الطائفي" واستطردت بأن بلادها حريصة علي حماية الاقباط في مصر وأن تكفل
لهم حرية ممارسة الشعائر والحياة الآمنة!!
والحقيقة انني لم اعرف رد قداسة البابا علي السفيرة الأمريكية وان كنت
اتصور انه من المفترض أن يجيبها بأن مصر دولة تكفل الحرية الدينية
للمسيحيين واليهود وانهم يمارسون شعائرهم بكل حرية.. واتصور أن قداسة
البابا شنودة قال للسفيرة الامريكية انها إذا نزلت للشارع لن تستطيع
التفرقة بين مسلم وقبطي. علي عكس اسرائيل مثلا التي تستطيع أن تتبين فيها
فروقاً واضحة بين المسلم واليهودي والمسيحي.
اتصور أن قداسة البابا قال للسفيرة انه يقدر لواشنطن حرصها علي حماية
الحرية الدينية للأقباط. لكنهم يتمتعون بالفعل بهذه الحرية وانهم يمارسون
شعائرهم ويحتفلون بأعيادهم وموالدهم بمنتهي الحرية.. واتصور أن البابا قال
لها إن هناك احتفالا بظهور السيدة العذراء في كنيسة الوراق وقد شارك
المسلمون اخوانهم الاقباط في هذا الاحتفال وشهد بعضهم بحقيقة ظهور العذراء.
في الوقت الذي انكر فيه ظهورها بعض المسيحيين من اتباع الطوائف الأخري غير
الارثوذكسية.. وأخيرا اتصور انه قال لها ان الحادث "جنائي" وليس طائفياً.
أتصور أن قداسة البابا بوطنيته وغيرته علي الكنيسة المصرية قد صرح لها بذلك
واكثر منه.. ولا ادري ماذا كان جوابها؟! لكن الذي اعرفه انها لابد وانها
اخطرت قداسته بموعد وصول وفد الحريات الدينية الامريكي والذي يمكن ان
يتراوح وصوله مابين 27 الي 29 يناير الحالي.
إن المرء يحتار وهو يري تصرفات السفيرة الامريكية التي تحاول الايحاء
للاقباط بأن امريكا الي جوارهم تساندهم وتشد أزرهم وتحميهم من الاضطهاد
الذي لاوجود له الا في عقلها بالاضافة الي عقول اعضاء وفد الحريات الديني
الذي يصل الاسبوع القادم للقاهرة!
إن وصول وفد الحريات الدينية الامريكي للقاهرة يجعلني اتساءل لماذا لم
يذهبوا الي نيجيريا التي لقي فيها اكثر من 10 الاف نيجيري مصرعهم منذ عام
1993 وحتي الآن في احداث عنف طائفي واعمال ثأر بين المسيحيين والمسلمين؟!
المعروف أن نيجيريا تشهد تطرفا أصوليا شديدا للغاية في محافظاتها الشمالية
وأن أحد أبنائها "فاروق عمر عبد المطلب" متهم بالتخطيط لتفجير طائرة
أمريكية عليها 270 راكبا. كما أن المصادمات بين المسلمين والمسيحيين وصلت
إلي مرحلة خطيرة جدا.
غير اننا لو عرفنا السبب في عدم زيارة الوفد الأمريكي لنيجيريا لبطل
العجب!! فهذا الوفد سبق وزار أبوجا في 16 اكتوبر الماضي وهو موعد الزيارة
السنوية التي يقوم بها لنيجيريا!! وحتي إذا لم يقم وفد الحريات الدينية
بزيارة هذا البلد الافريقي الكبير. فقد حققت أمريكا غرضها من نيجيريا ولا
يهم زيارة الوفد لها أم لا.
واشنطن لها قوات وتواجد أمني في المحافظات الشمالية الإسلامية في نيجيريا..
وقد دعا الوفد الأمريكي حكومة واشنطن إلي زيادة تواجدها في شمال نيجيريا
ومواصلة الإنفاق علي دعم ما يسمي بمبادرة التصدي للإرهاب في الصحراء
الافريقية وهي المبادرة التي تشمل عدة دول منها نيجيريا.. إذن أمريكا
تواجدت عسكريا في افريقيا للتصدي للإرهاب.. وهذه المبادرة التي ستشمل ارسال
قوات ومعدات تكنولوجية للدول الافريقية هي جهد حكومي أمريكي ضخم تقيم من
خلاله مشروعات أمنية مشتركة مع دول افريقيا الأمر الذي يستلزم بقاء قوات
أمريكية علي أراضيها.
بالمناسبة مبادرة التصدي للإرهاب في الصحراء الافريقية تبيح لأمريكا طبقا
للاتفاقيات الموقعة التدخل العسكري المباشر والسريع في أي دولة افريقية
لمحاصرة الإرهاب الإسلامي وحماية الأقليات.
والآن هل تخطط الولايات المتحدة لاقامة هذه المبادرة لمكافحة الإرهاب في
مصر؟! أم هل تريد الضغط علي القاهرة للاشتراك فيها كما سبق وضغطت علينا في
الاتفاقية الأمنية مع إسرائيل وباء مسعاها بالفشل؟! ان وفد الحريات
الأمريكي يبدو وكأنه رسول الشيطان للمنطقة ليمهد لتدخلات عسكرية وأمنية
بحجة حماية المضطهدين.
نقول للإدارة الأمريكية إن مصر دولة صاحبة قرار ولها سيادتها وقوانينها
التي تسري علي الجميع. ولن نقبل بأي اشتراك لقوي خارجية في الحفاظ علي
الأمن والنظام بالبلاد.. مصر ليست نيجيريا ولن تكون السودان. وسيبوء مسعاكم
بالخسران المبين.
|